مطلع العام الجاري، تعقبت وكالة المخابرات المركزية (CIA) رئيس دولة غنية بالنفط سعى لاستفزاز الولايات المتحدة، إلى مجمع شديد الحراسة في قلب عاصمة بلاده المحاطة بالجبال، وهناك تم إزاحة ذلك الزعيم من السلطة باستعراض مميت لا يقاوم للقوة العسكرية الأمريكي، ثم تم تنصيب خليفة أكثر مرونة لتنفيذ أوامر واشنطن.
كانت تلك هي الوصفة التي مكّنت الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا من السيطرة على نظام فنزويلا بعد اعتقال رئيس البلاد نيكولاس مادورو في العاصمة كاراكاس قبل فجر الثالث من يناير، وتولت نائبته ديلسي رودريجيز زمام الأمور بمباركة ترامب، ما أدى إلى إطلاق حقبة مؤيدة للولايات المتحدة كانت غير متوقعة في السابق بالنسبة لدولة في أمريكا الجنوبية لطالما هاجم قادتها الإمبريالية.
بعد ثلاثة أشهر من اعتقال مادورو، يبدو أن ترامب يسعى لتكرار نموذج "الاستيلاء على النظام" في إيران بعد مقتل مرشدها الأعلى علي خامنئي، في طهران خلال عملية إسرائيلية أمريكية استهدفت مجمعه.
بالفعل، قال ترامب لموقع "أكسيوس": يجب أن أشارك في تعيين خلفه (خامنئي)، كما هو الحال مع ديلسي في فنزويلا"، وفي حديثه لصحيفة "نيويورك تايمز"، قال: "ما فعلناه في فنزويلا، أعتقد، هو السيناريو الأمثل".
هذه الإستراتيجية التي يتبعها ترامب، حيث "إدارة" سلوك النظام من بعيد دون إرسال قوات أمريكية على الأرض، يمكن تسميتها بـ"قطع الرأس والتفويض"، حسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية لصحيفة "وول ستريت جورنال".
مع ذلك، لدى خبراء أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط شكوك جدية حول ما إذا كان ما نجح حتى الآن في كاراكاس سينجح على بعد 7000 ميل في طهران، كما يشير تحليل لصحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
خطة اللعبة
يرى خبراء الشؤون الإيرانية أن طلب ترامب بالمشاركة في اختيار الزعيم القادم للبلاد سيُقابل على الأرجح بالرفض القاطع من قبل المسؤولين الحاليين، باعتباره تدخلًا سافرًا في شؤونهم الداخلية.
فإلى حد كبير، كانت ثورة عام 1979 التي أوصلت النظام الحالي إلى السلطة مدفوعةً بالاستياء القومي من التدخل الأجنبي المتصوَّر، وكان يُنظر إلى الشاه محمد رضا بهلوي -الحاكم آنذاك والموالي للغرب- على نطاق واسع على أنه دمية في يد الولايات المتحدة.
وطالما شكّلت معاداة أمريكا -التي تجسّدها الهتافات الثورية "الموت لأمريكا"- جوهر أيديولوجية النظام، منذ أن وصف مؤسس الثورة الروحي روح الله الخميني الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر"، فيما تنتشر الشعارات والرسومات الجدارية التي تعبّر عن العداء للولايات المتحدة في جميع أنحاء طهران وغيرها من المدن الإيرانية.
هكذا، يبدو إصرار ترامب على استشارته أمرًا بعيد المنال، بالنظر إلى أن البلدين لم تربطهما علاقات دبلوماسية منذ 46 عامًا، وهو ما يتناقض مع فنزويلا، حيث كانت الولايات المتحدة على علاقة بها حتى عام 2019.
تنقل "ذا جارديان" عن أليكس فاتانكا، رئيس برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، وصفه محاولة ترامب للتدخل في اختيار إيران لزعيمها بأنها "تتجاوز الوهم"، وتساءل عما إذا كان لديه خطة قابلة للتطبيق لفرض سيناريو مشابه لما حدث في فنزويلا.
وأضاف أن التأثير الخارجي كان ممكنًا بسبب وجود أفراد "فيما تبقى من الدائرة المقربة لخامنئي" يعملون مع أجهزة استخبارات أجنبية "لكن لا يزال يتعين عليك وضع خطة للعبة".
وقال: "عليك أن تقرر مع من يمكنك العمل داخل النظام. ثم مع تلك المجموعة، إما أن تقنع الآخرين الذين يقاتلون الآن بضمهم وإما أن تساعد الأمريكيين على قتلهم.. بهذه الطريقة، يمكن لشخص ما أن يبرز ويفعل ما فعتله رودريجيز في فنزويلا".
وتابع أن "ما يحدث في إيران هو حرب مفتوحة بخلاف العملية الخاطفة في فنزويلا، وفي مثل هذه الحالة يصبح من الصعب على أي شخص متبقٍ في النظام أن يقترح أنه على استعداد للعمل مع الولايات المتحدة.. سيُقتلون قبل أن ينهضوا من فراشهم في اليوم التالي".
أما نايسان رفاتي، كبير محللي الشؤون الإيرانية في مركز أبحاث "مجموعة الأزمات الدولية"، يرى أن الولايات المتحدة والمسؤولين المتبقين من النظام قد يكون لديهم مصلحة مشتركة في الاستمرارية، لكنه حذر من أن هذا قد يؤدي إلى نفور غالبية سكان إيران، الذين لا يزالون غاضبين من القمع الدموي للاحتجاجات الأخيرة التي أودت بحياة الآلاف.
وأضاف: "أفضل نتيجة لواشنطن هي تأمين التغيير في ظل الاستمرارية، إيجاد شريك يمكنه بسرعة تشكيل كتلة حرجة للنظام الإيراني بشروط يمكن للولايات المتحدة أن تتعايش معها".
مناورة ترامب
وفق التحليل البريطاني، يعتقد المتخصصون في شؤون أمريكا الجنوبية أن رغبة ترامب الواضحة في تكرار "نموذج ديلسي" تعكس تشجُّعَه إزاء نجاح واشنطن الظاهر في الاستيلاء على بقايا نظام مادورو.
حسب مستشار سابق للبيت الأبيض "لم تكن في فنزويلا خسائر في الطائرات، ولا خسائر في صفوف القوات الأمريكية، وحصلت واشنطن على حكومة متساهلة للغاية، ولديك بلد يتمتع بموارد طبيعية هائلة (كما يراها ترامب) أصبحت متاحة حديثًا للولايات المتحدة".
لكنه أضاف أنه بصرف النظر عن حقيقة أن إيران أبعد بكثير وأفضل تسليحًا من فنزويلا، فمن السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت مناورة ترامب نجحت في أمريكا الجنوبية.
قال: "بعد عام من الآن، إذا لم تكن البحرية الأمريكية لا تزال متمركزة في منطقة البحر الكاريبي، فقد يشعر الفنزويليون، شيئًا فشيئًا، بأن لديهم متسعًا من الوقت فجأة وبعض الاستقلال الذاتي مرة أخرى".
في الوقت نفسه، قد يُفيد انشغال الصراع في الشرق الأوسط خلفاء مادورو، إذ يسعون للبقاء في السلطة بعد ترامب وتمديد حكمهم الذي دام 27 عامًا، أو كما أشار التحليل "ليست خطتهم أن يكونوا نظامًا دمية إلى الأبد، بل يأملون أن تتجاوز الولايات المتحدة الأمر".