في نهاية مارس 1982، عندما علمت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر أن الأرجنتين على وشك الاستيلاء على جزر "فوكلاند"، سألت قائد البحرية الأدميرال هنري ليتش: كم من الوقت سيستغرق تجميع قوة للردع؟" فأجاب: "48 ساعة".
اليوم، عندما تعرضت القواعد البريطانية في الخارج للهجوم بواسطة مُسيَّرة إيرانية ضربت قاعدة سلاح الجو الملكي "أكروتيري" في قبرص الأحد الماضي، بدا أن بريطانيا -لأول مرة منذ قرون- لم تعد تمتلك فرقاطة أو مدمرة واحدة في الخليج أو البحر الأبيض المتوسط، وهو ما انتقدته صحيفة "ذا تليجراف".
تضيف الصحيفة: "نشهد اليوم نوعًا من الطوارئ التي كانت ستُظهر في السابق قدرة البحرية الملكية على مواجهة الأزمات، ولكن ما الذي حدث؟ سيقوم كير ستارمر بإرسال المدمرة HMS Dragon فقط، للدفاع عن قبرص، والتي بدورها من غير المتوقع أن تبحر حتى الأسبوع المقبل، وذلك بسبب الحاجة إلى إكمال أعمال اللحام".
بالمقارنة، في عام 1982 كان بإمكان ليتش تجهيز أسطول هائل من حاملات الطائرات وسفن الهجوم وسفن المرافقة في غضون 48 ساعة فقط، والإبحار بها في أقصى بقاع الأرض، والآن يستغرق إرسال سفينة حربية واحدة ثلاثة أضعاف هذا الوقت على الأقل.
حاليًا يجري بناء ثماني فرقاطات جديدة وقوية 26 Type لتحل محل فرقاطات 23 Type، ومن المتوقع أن تدخل أولها الخدمة في عام 2028، كما يُخطط لبناء خمس فرقاطات أخرى من 31 Type.
وفي غضون عقد من الزمن تقريبًا، من المتوقع أن تمتلك البحرية الملكية 13 فرقاطة، أي ما يقارب ضعف العدد الحالي، وبإضافة المدمرات الست 45 Type، سيضم الأسطول 19 سفينة حربية رئيسية، كما أن هناك غواصتان أخريان من فئة Astute في طريقهما، بالإضافة إلى رادع نووي جديد تحمله غواصات فئة Trident.
وربما سيعود الأسطول البريطاني تدريجيًا كما عرف عنه "لكن علينا أولًا أن ننجو من السنوات العشر المقبلة"، حسب التقرير.
وتتساءل "ذا تليجراف" حول سبب عدم إرسال ستارمر المدمرة HMS Dragon لحماية قبرص قبل شهر، عندما كان الحشد العسكري الأمريكي ضد إيران جاريًا على قدم وساق، وكانت هذه الأزمة تقترب بشكل واضح.
تراجع كبير
يمكن تفسير المرحلة الأخيرة من تراجع دور البحرية البريطانية إلى حد كبير بفترة كارثية امتدت لخمسة عشر عامًا بين عامي 2002 و2017، والتي لم تبدأ خلالها أي حكومة، مهما كان حزبها، ببناء ولو فرقاطة جديدة، وبسبب تلك الفترة من الإهمال المتعمد من الحكومات المتعاقبة، وصل الأسطول البريطاني إلى أقصى درجات ضعفه.
خلال القرن التاسع عشر، الذي يُصوَّر غالبًا على أنه ذروة سيطرة بريطانيا العالمية، كانت لندن واثقة جدًا من سيطرتها على البحار لدرجة أنها التزمت بمعيار يُلزم الأسطول الملكي أن يظل أقوى من الأسطولين التاليين مجتمعين.
والتزمت بريطانيا بهذا المعيار حتى عشرينيات القرن العشرين، حين أصبح من المستحيل أن تتفوق على القوة البحرية لكل من أمريكا واليابان، لكنها كانت لا تزال الأكبر في العالم، وظلت تحتل هذا المركز حتى تفوقت عليها الولايات المتحدة في عام 1943.
وعندما تحقق النصر في الحرب العالمية الثانية عام 1945، كان الأسطول البريطاني، من حيث الأعداد المطلقة، أكبر من أي وقت مضى، حيث ضم 929 سفينة حربية و137 غواصة وأكثر من 850 ألف بحار. لكن كانت عمليات التخفيضات التي أعقبت الحرب حتمية وفورية، حيث تم إخراج مئات السفن من الخدمة في غضون خمس سنوات.
بحلول الوقت الذي أصبح فيه الأدميرال هنري ليتش قائدًا للبحرية الملكية في عام 1979، كانت تراجعت مركزًا واحدًا فقط في الدوري العالمي، من المركز الثاني إلى الثالث، بعد أن تفوق عليها الاتحاد السوفييتي.
وكان الأسطول الذي جمع منه قوة المهام في جزر فوكلاند عام 1982 يتألف من 41 فرقاطة و18 مدمرة و13 غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية، بالإضافة إلى حاملتي طائرات وسفينتي هجوم.
واختتمت الحرب الباردة في عام 1991 بـ34 فرقاطة و12 مدمرة وثلاث حاملات طائرات و14 غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية. ثم في التسعينيات، خسرت البحرية البريطانية بسرعة نحو ربع أسطولها السطحي.
وبحلول عام 1996، كان الأسطول يتألف من 22 فرقاطة، و12 مدمرة، و12 غواصة تعمل بالطاقة النووية، بالإضافة إلى أربع غواصات أخرى تحمل أسلحة نووية.
في ذلك الوقت، اعتقدت البحرية أنها بحاجة إلى ما لا يقل عن 30 فرقاطة ومدمرة مجتمعة لأداء جميع المهام الأساسية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الحفاظ على ما كان يُعرف آنذاك بدورية "أرميلا" في الخليج العربي.
خفض التكاليف
حتى عام 2005، حرصت الحكومات البريطانية المتعاقبة على البقاء فوق عتبة 30 فرقاطة، عندما انخفض عدد الفرقاطات والمدمرات لأول مرة إلى 28. وتخلت حكومتا حزب العمال بقيادة توني بلير وجوردون براون عن سبع مدمرات و17 فرقاطة عندما خسرتا السلطة في انتخابات عام 2010.
بدأت إجراءات خفض التكاليف عندما تولى ائتلاف المحافظين والديمقراطيين الليبراليين بقيادة ديفيد كاميرون ونيك كليج السلطة في عام 2010، إذ تم تفكيك فرقاطات Type 22، ما جعل فرقاطات Type 23 الأحدث هي الركيزة الأساسية للأسطول البريطاني.
وبين عامي 1990 و2002، انضمت 16 فرقاطة 23 Type إلى الأسطول البريطاني، صُممت كل منها لعمر خدمة يبلغ 18 عامًا، وبحلول العقد الثاني من القرن الحالي، بدأت بالخروج من الأسطول مع انتهاء عمرها التشغيلي.
وهكذا صارت البحرية الملكية البريطانية تضم الآن سبع فرقاطات 23 Type وست مدمرات 45 Type، أي ما يزيد قليلاً على خُمس المجموع الذي أشرف عليه ليتش عندما قام بتشكيل قوة مهام جزر فوكلاند في مطلع ثمانينات القرن العشرين.
الأسطول يتقلص
تقلص الأسطول البريطاني بنسبة تقارب 50% منذ عام 2010، إذ انخفض من 24 فرقاطة ومدمرة إلى 13، ليصبح لدى البحرية الملكية الآن سفن حربية أقل من فرنسا وإيطاليا.
أيضًا، لم تبحر بعض السفن لسنوات نتيجةً لمشكلات فنية، فقد تم تسليم مدمرات 45 Type بمحركات معيبة لا تتحمل حرارة مياه الشرق الأوسط، مما اضطرها لقضاء فترات طويلة في الصيانة.
أما المدمرة HMS Daring، وهي الأولى من هذه الفئة، فقد ظلت راسية في الميناء منذ عام 2017 -لأكثر من 3000 يوم- بسبب مشكلات تبدو مستعصية في نظام دفعها التوربيني الغازي.
وحاليًا، هناك حاملتا طائرات تزن كل منهما 65 ألف طن، وهما HMS Queen Elizabeth وHMS Prince of Wales تعملان الآن بأحدث طائرات F-35 النفاثة، على الرغم من أن كلتيهما قد عانت من مشكلات فنية.