كشفت مصادر مطلعة لوكالة "بلومبرج" الأمريكية، عن ممارسة الصين ضغوطًا مكثفة على القيادة الإيرانية، لحملها على إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا وعدم تعطيل حركة ناقلات النفط والغاز، ما يعكس حجم القلق الصيني من امتداد رقعة الصراع في الشرق الأوسط إلى شريان الطاقة العالمي، إذ إنه بينما تُعَدُّ بكين الحليف الاقتصادي الأكبر لطهران والمشتري الأول لنفطها، فإنها في الوقت نفسه تعتمد على استقرار جيران إيران، وفي مقدمتهم قطر، لتأمين احتياجاتها من الغاز المسال.
الصين تضغط لصالح استقرار الأسواق
بحسب ما نقلته "بلومبرج" عن مسؤولين تنفيذيين في شركات الطاقة الصينية الكبرى المملوكة للدولة، فإن الحكومة في بكين وجهت رسائل واضحة ومباشرة إلى المسؤولين الإيرانيين، ومضمونها لا يحتمل التأويل، وهو أنه على طهران الامتناع عن أي أعمال عسكرية قد تؤدي إلى استهداف ناقلات النفط والغاز أو تعطيل حركتها عبر مضيق هرمز، إذ إن الصين، التي تعتمد على استيراد كميات هائلة من الطاقة من منطقة الخليج بأكملها، تنظر إلى المضيق كشريان حياة لا يمكن المساس به.
وتشير "بلومبرج" إلى أنه ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه وساطة لصالح الجميع، هو في جوهره دفاع صيني عن المصالح الصينية أولًا وقبل كل شيء، إذ إن بكين التي تقدم دعمًا اقتصاديًا حيويًا لطهران من خلال شراء نفطها، لا يمكنها المخاطرة بزعزعة استقرار المنطقة التي تأتي منها إمداداتها الأكبر.
كما أكدت المصادر ذاتها أن المسؤولين الصينيين طلبوا من نظرائهم الإيرانيين بشكل قاطع تجنُّب ضرب مراكز التصدير في دول الجوار، وأخذ "المخاوف المعقولة" لهذه الدول بعين الاعتبار، وهو ما يعكس القلق الصيني من أن أي توسُّع في الصراع قد يطال حلفاء آخرين لبكين في المنطقة.
صفعة قطرية توقظ بكين
لم تكن المخاوف الصينية نظرية أو مبنية على توقعات بعيدة، إذ إنه قبل أيام قليلة، وتحديدًا بعد هجوم بطائرة مُسيَّرة نُسِبَت إلى إيران، اضطرت قطر إلى اتخاذ قرار غير مسبوق، فقد أوقفت الإنتاج بشكل كامل في مجمع "رأس لفان"، أكبر منشأة في العالم لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال، وهو التوقف الأول من نوعه منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا، ما شكَّل صدمة حقيقية لبكين.
هنا تكمن عقدة المصالح الصينية، إذ إن الدولة الآسيوية العملاقة التي تبحث عن تأمين احتياجاتها من الطاقة، تجد نفسها تعتمد على قطر وحدها في توفير ما يقرب من 30% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، ما يعني أن أي ضرر يلحق بمنشآت "رأس لفان" القطرية سيتحول فورًا إلى أزمة طاقة حادة داخل السوق الصينية، تليها موجة ارتفاع جنونية في أسعار الغاز عالميًا ستنعكس بالضرورة على تكلفة الإنتاج والنقل والتدفئة في المدن الصينية المزدحمة.
من هنا يأتي التحرك الصيني الاستباقي، الذي لا يهدف فقط لحماية ممر مائي، بقدر ما يسعى لحماية بنية تحتية حيوية تمثل شريانًا للاقتصاد الصيني بأكمله.
اقتصاد تحت النار
من الناحية الاقتصادية البحتة، تشير تقديرات "بلومبرج إيكونوميكس" إلى أن التأثير المباشر للحرب على الاقتصاد الصيني قد يبدو محتملًا في الوقت الحالي، ففي أسوأ الاحتمالات، سيشهد الاقتصاد ارتفاعًا طفيفًا في التضخم نتيجة زيادة أسعار النفط، إلا أن الخبراء يحذرون من أن النظرة السطحية للوضع قد تكون مضللة.
الضرر الأكبر، وفقًا للتقديرات، سيكون ضررًا جيوسياسيًا طويل الأمد، إذ إن الصين التي بنت إستراتيجيتها التنموية على عقود من الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة، حيث إن دعمها لإيران قد يزعج جيرانها العرب، بينما تخلّيها عن طهران قد يكلفها نفوذها في طهران.