اتخذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) خطوة غير عادية، بعد أن قامت أمس الجمعة بسحب 19 تقريرًا استخباراتيًا أصدرتها على مدى العقد الماضي، بما في ذلك تحليلات حول مواضيع ثقافية حساسة مثل القومية البيضاء، وذلك بعد أن خلصت مراجعة إلى أنها "متحيزة أو تمثل استخدامًا غير مناسب لموارد وكالة التجسس".
تُعدّ هذه الخطوة، التي أعلن عنها مسؤول رفيع في الوكالة، أحدث مساعي المدير جون راتكليف ومساعديه لـ"تخليص الوكالة" مما يزعمون أنه "تأثيرات ثقافية ليبرالية". وكان راتكليف في بداية ولايته قام، بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، بإلغاء برامج التنوع والمساواة والشمول في الوكالة، وقام يفصل الموظفين المكلفين بتلك البرامج.
ولفت تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" إلى أنه، في المجمل، سحبت وكالة المخابرات المركزية 17 تقريرًا استخباراتيًا يعود تاريخها إلى ما قبل ولاية ترامب الحالية، واستدعت تقريرين آخرين لإجراء تعديلات جوهرية عليهما.
وسيتم حذف التقارير المسحوبة من قواعد بيانات الوكالة، ولن تكون متاحة لصنّاع القرار في الولايات المتحدة.
كانت المخابرات المركزية أصدرت نسخًا منقحة جزئيًا من بعض التقارير المحذوفة. يحلل أحدها دور المرأة في الجماعات القومية البيضاء العنيفة في الخارج، ويغطي آخر تأثير جائحة فيروس كورونا على إمكانية الحصول على وسائل منع الحمل وتنظيم الأسرة في البلدان النامية.
كانت هذه القضايا محل اهتمام الإدارات الديمقراطية السابقة. لكن مسؤولًا رفيع المستوى في الوكالة قال إنها مواضيع غير مناسبة لتركيز الوكالة عليها، وفي بعض الحالات، اعتمدت على مصادر معلومات متحيزة.
ونقلت عنه "واشنطن بوست" إنه "لا مجال على الإطلاق لأي نوع من أنواع التحيز في عمل وكالة المخابرات المركزية. لذلك عندما نجد أن أساليبنا في العمل لم تصل إلى مستوى الحياد العالي هذا، يجب علينا تصحيح السجل".
مواد استخباراتية
تمثل التقارير المسحوبة جزءًا صغيرًا من إنتاج أكبر وكالات التجسس في الولايات المتحدة، الذي يصل إلى آلاف المواد الاستخباراتية سنويًا.
ولدى وكالة المخابرات المركزية سجل تحليلي مختلط في العقود الأخيرة، بدءًا من تقييم معيب عام 2002 لأسلحة الدمار الشامل العراقية، وصولًا إلى تنبؤ دقيق عام 2022 بالغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
كانت التقارير التي وُصفت بأنها إشكالية من بين 300 تقرير راجعها المجلس الاستشاري الاستخباراتي للرئيس، الذي أُنشئ لتقديم مشورة مستقلة للرئيس بشأن فعالية برامج التجسس الأمريكية وشرعيتها.
ونقل التقرير عن مسؤول سابق في البيت الأبيض، مطلع على مراجعة مجلس مراجعة التحقيقات الداخلية (PIAB)، إن نسبة التقارير التي وُصفت بأنها لا تستوفي معايير التحليل الخاصة بوكالة المخابرات المركزية "تُعدّ نسبة جيدة تُشير إلى غياب التحيز، وليس إلى وجود تحيز متفشٍ".
وأعرب المسؤول السابق عن قلقه من أن نتائج المراجعة ستجعل العاملين في مجال الاستخبارات "يخشون من عدم الإبلاغ عن مواضيع لا تُرضي البيت الأبيض".
تسييس الاستخبارات
يأتي سحب التقارير بعد أشهر من الجهود التي بذلها كبار مسؤولي الاستخبارات في إدارة ترامب لتصوير أسلافهم على أنهم يسيسون الاستخبارات. وهو جهد يقول الديمقراطيون في الكونجرس وبعض ضباط الاستخبارات السابقين إنه سياسي في حد ذاته.
في يوليو الماضي، اتهمت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي جابارد (DNI) الرئيس السابق باراك أوباما ومساعديه بالتآمر في "مؤامرة خيانة" تتعلق بتدخل ترامب وروسيا في انتخابات عام 2016.
ونشرت مديرة مجتمع الاستخبارات الأمريكي وثائق استخباراتية، من بينها تقرير جمهوري زعمت أنه "يثبت أن إدارة أوباما لفّقت جوانب من القصة"، وأحالت كبار مسؤولي إدارة أوباما إلى المحاكم الجنائية.
في الشهر نفسه، نشر راتكليف مراجعة لتقرير مهم صدر عام 2016 عن وكالات التجسس بشأن التدخل الروسي، الذي خلص إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين "كان يطمح" إلى مساعدة المرشح آنذاك ترامب. وقد رصدت المراجعة مخالفات في كيفية إعداد تقرير 2016، لكنها لم تُشكك في استنتاجاته الرئيسية.
واستغل أنصار ترامب نشر تلك الوثائق وغيرها كدليل على وجود مؤامرة "دولة عميقة" ضد الرئيس.