يُعَدُّ عيد الربيع، أو رأس السنة القمرية الصينية، أهم مناسبة تقليدية في الصين وأكثرها حضورًا في الحياة اليومية للمجتمع. فهو ليس مجرد احتفال ببداية عام جديد، بل مناسبة عائلية وثقافية عميقة الجذور، تمتد تقاليدها لآلاف السنين، وتعكس قيم الترابط الأسري والتفاؤل بالمستقبل.
ومع اقتراب العيد، تتحول المدن والقرى إلى لوحات احتفالية يغلُب عليها اللون الأحمر، إذ تُعلَّق الفوانيس واللافتات المزخرفة بعبارات الحظ والازدهار، فيما تشهد محطات القطارات والمطارات أكبر حركة تنقل بشرية سنوية في العالم، مع عودة الملايين إلى مسقط رأسهم لقضاء العيد بين أفراد عائلاتهم.
كبار السن.. عيد السلام والصحة
وفي حديثٍ خاصٍ لموقع القاهرة الإخبارية، يقول لي تشنج، البالغ من العمر 60 عامًا من مدينة جيانجمن، إن عيد الربيع يمثل بالنسبة له "العودة إلى الجذور".
وأوضح "لي" أنه يبدأ قبل العيد بأيام في تنظيف المنزل وتزيينه باللافتات الحمراء، مشيرًا إلى أن أهم لحظة هي عشاء لمِّ الشمل ليلة رأس السنة، حيث يجتمع الأبناء والأحفاد حول المائدة.
وأضاف أن ما يسعده أكثر من أي مظهر حديث هو رؤية العائلة مجتمعة وسماع ضحكات الأطفال، قبل متابعة حفل رأس السنة على التلفاز وتبادل الأظرف الحمراء "هونج باو"، في طقسٍ يمنحه شعورًا بأن العيد ما زال محتفظًا بروحه التقليدية.
أما وانج شيويهينج، 70 عامًا، فيرى أن العيد يرتبط بذكريات الطفولة والشباب، حين كانت الأسرة تنتظر هذه المناسبة لتناول أطباق لا تُحضَّر إلا في تلك الأيام.
وقال "وانج" إنه رغم تحسن ظروف الحياة اليوم، ما زال يحرص على إعداد الأطعمة التقليدية، مثل الزلابية والسمك، بنفسه، مؤكدًا أن جوهر العيد يبقى في اجتماع العائلة وزيارة الأقارب والجيران، والدعاء بالصحة والسلام في العام الجديد.
استعدادات للدفء العائلي
من جانبها، قالت وانج لين، من بكين، لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن عيد الربيع هو وقت التحضير والدفء الأسري، موضحة أنها تبدأ قبل العيد بأيام في تنظيف المنزل وتزيينه، ثم إعداد الأطعمة التقليدية.
وأشارت إلى أن أكثر اللحظات التي تنتظرها هي عودة الأبناء بعد شهور من العمل في المدن، واجتماع الجميع حول المائدة، مؤكدة أن التكنولوجيا غيّرت الكثير من التفاصيل، لكن معنى العيد لم يتغيّر: "العائلة أولًا، ثم الأمل بسنة أفضل".
بدورها، تحدثت تشانج مي، 48 عامًا من شنجهاي، أنها تبدأ الاستعداد للعيد قبل أسبوعين تقريبًا، عبر تنظيف المنزل وترتيبه؛ باعتبار ذلك رمزًا لجلب الحظ الجيد. وبعدها تتوجه إلى الأسواق لشراء الفوانيس الحمراء والزهور، خصوصًا زهور الخوخ التي ترمز إلى الازدهار.
وفي تصريحات خاصة لموقع القاهرة الإخبارية، أوضحت أنها تقضي وقتًا طويلًا في المطبخ لإعداد "جياوتسي.. الزلابية" مع أفراد العائلة، معتبرة ذلك من أكثر لحظات التحضير متعة، إلى جانب شراء ملابس جديدة للأسرة؛ تعبيرًا عن بداية جديدة.
جيل الشباب.. بين التقاليد والحداثة
أما جيل الشباب، فيحافظ على جوهر العيد مع إدخال لمسات عصرية على طريقة الاحتفال. وفي السياق، قال هو جينهوا، وهو شاب من مواليد مقاطعة شاندونج، إن التقاليد الأساسية، مثل عشاء لمِّ الشمل وزيارة الأقارب، ما زالت حاضرة بقوة، لكنها تُمارَس اليوم بأساليب مختلفة.
وأضاف لموقع "القاهرة الإخبارية": "نستخدم الهواتف طوال الوقت لتبادل التهاني عبر التطبيقات، بدلًا من الزيارات الطويلة".
من جهته، أشار دو لياونينج، من مدينة شنزن، إلى أن كثيرًا من الشباب يقضون وقتًا أطول مع الأصدقاء أو يختارون السفر خلال الإجازة، مستغلين العطلة للراحة أو الأنشطة الترفيهية بدلًا من الالتزام بكل الطقوس التقليدية.
ورغم هذه التغييرات، يؤكد الشابان أن عيد الربيع ما زال حدثًا مهمًا بالنسبة لجيل الشباب، وإن اختلفت طريقة النظر إليه مقارنة بالأجيال السابقة. فبالنسبة إلى كثيرٍ من الشباب الذين يعملون في مدن بعيدة، يمثل العيد فرصة نادرة للعودة إلى المنزل وقضاء وقت حقيقي مع العائلة. وربما أصبحت مظاهر الاحتفال أبسط أو أكثر عصرية، لكن المعنى الأساسي للعيد -العائلة والبداية الجديدة- ما زال يحتفظ بمكانته في وجدان الجيل الجديد.