داخل مصنع شعر مستعار إندونيسي مهجور، تغلي أحواض من الشعر البشري في قدور ضخمة، يحركها عمال منحنين بينما تراقب صفوف من رؤوس العارضات المشهد بنظرات جامدة من الظلام، كانت هذه جزءًا من أحداث فيلم Sleep No More أو "لا نوم بعد الآن" الذي يُعرض لأول مرة في قسم "منتصف الليل الخاص" في مهرجان برلين السينمائي هذا الأسبوع، يخوض المخرج إدوين غمار الرعب.
الفيلم الذي يمثّل عودة "إدوين" إلى مهرجان برلين بعد 14 عامًا إذ عُرض فيلمه "بطاقات بريدية من حديقة الحيوان" في المسابقة الرسمية عام 2012، وحصل لاحقًا على جائزة إدوارد يانج للمواهب الجديدة في جوائز الفيلم الآسيوي، فيما يحمل العمل الجديد نقدًا لاذعًا لعبادة البشرية الأعمى للرأسمالية بلمسة من الكوميديا السوداء، مستخدمًا الفيلم المرعب ليس فقط كعرض مبهر، بل كوسيلة للسخرية الاجتماعية اللاذعة.
رعب لا أشباح
يقول إدوين: أردت تقديم فيلم رعب ولكن غير قائم على الأشباح كما هو الحال في معظم أفلام الرعب الإندونيسية، حيث فضّلت طريقة غير تقليدية خصوصًا أنني لم يسبق لي العمل في هذا النوع السينمائي من قبل، لذا استلهمت كثيرًا من جوردان بيل -مخرج ومؤلف أمريكي وأحد أهم الأسماء في عالم سينما الرعب الحديثة- الذي يحمل في أفلام الرعب التي يُخرجها رسالة قوية، لذا كان من الطبيعي بالنسبة لي أن أتحدث عن الرأسمالية.
أضاف أن النتيجة هي قصة سريالية ذات طابع كوميدي سوداوي تدور أحداثها داخل مصنع شعر مستعار صناعي مُتهالك، حيث يُجبر العمال على العمل لساعات إضافية مُرهقة بفعل حوافز مُتلاعبة تُقدمها مُشرفة مُستغلة، وعندما يُنهكهم التعب، يظهر شيء أكثر شرًا من الظلال، وتنتشر شائعات عن وجود شبح يتربص بالمُنهكين من قلة النوم، ويستولي على أجسادهم المُنهكة.
وعلى الرغم من أن الفكرة الأساسية تتمحور حول الخوارق، فإن إدوين يصر على أن الرعب الحقيقي في الفيلم يكمن في واقعيته الاقتصادية اليومية، إذ يقول: "استغلال العمال وظروف العمل اللا إنسانية حقيقة واقعة في بلدي، الوضع لا يتحسن، بل أصبح طبيعيًا لدرجة أنه بات عبثيًا بشكل مرعب، وعندما أسافر إلى جاكرتا، أرى الناس منهكين في كل مكان، في الشارع، الحافلة، وفي القطار - يبدو الجميع كالأموات الأحياء، منهكين من العمل".
رحلة واقعية
أثناء تفقده للمصانع، زار إدوين وزملاؤه مصنعًا لإنتاج الشعر المستعار في بالي، حيث تعمل عائلات بأكملها معًا في صناعة قطع شعر متقنة الصنع للتصدير الدولي، كانت عمليات الإنتاج الشاقة في المصنع - أوانٍ من الشعر المغلي، وعمال ينسجون الخصلات على رؤوس عارضات أزياء مهترئة وخالية من الشعر، وآخرون يمشطون الشعر المستعار بألواح مغطاة بمسامير معدنية حادة - بيئةً موحشةً لدرجة أنها لم تكن بحاجة إلى مزيد من التوضيح، هكذا يتذكر إدوين المشهد، ثم يقول: يُصدّر المصنع شعره المستعار إلى برودواي. لكن عندما تحدثنا مع العمال، لم يكونوا يعرفون حتى ما هي برودواي، لا يكترثون، إنهم يعملون ويعملون فحسب - مُجبرون على ذلك".
أثار هذا الانفصال الرأسمالي الكلاسيكي أو اغتراب العامل عن عمله، فضول المخرج، ومنحه الثقة بأن فكرته ستلقى صدىً عالميًا، إذ يقول إدوين: "العمل بجد في ظروف روتينية للغاية دون معرفة الغاية الحقيقية من ذلك، ربما نفعل ذلك جميعًا بطريقة أو بأخرى".