تستعد الصين لإطلاق جيل جديد من كاسحات الجليد القادرة على اختراق طبقات جليدية يصل سمكها إلى 2.5 متر، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها مؤشرًا قويًا على تنامي طموحات بكين في القطب الشمالي، في ظل تصاعد التوترات الدولية بشأن مستقبل المنطقة الغنية بالموارد.
ويأتي ذلك بالتزامن مع جدل سياسي متزايد في الغرب حول أهمية القطب الشمالي، لا سيما بعد محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدفع نحو فرض سيطرة أمريكية على جرينلاند، ما أعاد تسليط الضوء على المنافسة الجيوسياسية في المنطقة.
تصميم جديد
في ديسمبر 2025، كشفت الصين عن تصميم تصوري لكاسحة جليد نووية جديدة ذات مقدمة مدببة، يُفترض أن تشكل نموذجًا أوليًا لأسطولها القطبي المستقبلي. ووفقًا لمعهد الأبحاث الحكومي "708"، الذي تولى تصميم السفينة، فإنها ستكون سفينة "متعددة الأغراض" مخصصة للشحن والسياحة القطبية.
ورغم أن بكين تصف أنشطتها في القطب الشمالي بأنها تتركز على البحث العلمي والتجارة، فإن عددًا من المحللين يرون أن برنامجها القطبي يحمل أبعادًا مزدوجة، مدنية وعسكرية، تشمل إنشاء محطات أبحاث، وتوسيع التعاون في مجالات النفط والغاز، وتنفيذ دوريات عسكرية مشتركة مع روسيا قرب ألاسكا، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
مخاوف غربية
وأثار برنامج بناء كاسحات الجليد الصينية قلقًا في الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل مخاوف من تنامي الحضور الصيني والروسي في القطب الشمالي، إذ يُتوقع أن يؤدي ذوبان الجليد إلى فتح ممرات شحن أقصر وأقل تكلفة بين آسيا وأوروبا، فضلًا عن إتاحة الوصول إلى احتياطيات ضخمة من الطاقة والمعادن.
وترى هيلينا ليجاردا، رئيسة برنامج العلاقات الخارجية في مركز "ميريكس" للدراسات، أن الصين تنظر إلى القطب الشمالي باعتباره "جبهة جديدة حاسمة في المنافسة الجيوسياسية والإستراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب"، وتسعى إلى توسيع نفوذها وحضورها هناك.
ويحذر خبراء من أن المنطقة توفر أيضًا إمكانات عسكرية واسعة، بدءًا من العمليات الفضائية والأقمار الصناعية، وصولًا إلى تمركز الغواصات النووية، ما يزيد من خطر تحول التنافس إلى مواجهة مباشرة، وفقًا لتقرير "فايننشال تايمز".
"طريق الحرير القطبي"
وبدأت طموحات الصين في القطب الشمالي منذ عقود، لكنها تسارعت خلال السنوات الأخيرة بالتوازي مع صعودها الاقتصادي والجيوسياسي، عندما اشترت أول كاسحة جليد لها عام 1993، قبل أن تبدأ في تطوير أسطولها المحلي.
وفي عام 2004، افتتحت أول محطة أبحاث دائمة لها في أرخبيل سفالبارد النرويجي، ثم محطة أخرى في آيسلندا عام 2018، وهو العام نفسه الذي أعلنت فيه سياستها القطبية، متضمنة رؤية لـ"طريق حرير قطبي" يقوم على تطوير طرق الشحن عبر المنطقة.
وتراهن الصين على الممر البحري الشمالي عبر المياه الروسية، الذي يمكن أن يقلص مسافات الشحن بين الصين وأوروبا بنسبة تتراوح بين 30 و40%، بحسب باحثين صينيين.
وفي سبتمبر الماضي، أبحرت سفينة حاويات من مدينة نينجبو شرق الصين إلى ميناء فيليكسستو البريطاني عبر هذا المسار، في رحلة وصفتها بكين بأنها أول خط شحن حاويات سريع بين الصين وأوروبا عبر القطب الشمالي.
كما استثمرت الصين في مشروعات تعدين وطاقة وبنية تحتية في شمال روسيا، من مناجم الفحم قرب مورمانسك إلى ميناء عميق المياه في أرخانجيلسك، الذي تخطط شركة الشحن الصينية "كوسكو" لاستخدامه كقاعدة رئيسية لعملياتها القطبية.
تحفظات روسية وأوروبية
ورغم التقارب بين موسكو وبكين في المنطقة، يرى خبراء أن روسيا ما زالت حذرة من منح الصين دورًا كبيرًا في القطب الشمالي، إذ تسعى إلى الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة هناك.
كما أعرب مسؤولون من دول الشمال الأوروبي عن رفضهم منح الصين أي دور رسمي في إدارة شؤون المنطقة، مشيرين إلى أن دول القطب الثماني لا ترغب في توسيع دائرة اللاعبين إلى ما وراء الدول المطلة عليه.
ويشير بعض الخبراء إلى أن الإستراتيجية الصينية في القطب الشمالي تقوم على بناء حضور طويل الأمد أكثر من السعي إلى استعراض القوة العسكرية المباشرة. وحتى الآن، لم تسجل حالات معروفة لسفن عسكرية صينية داخل المحيط المتجمد الشمالي، إذ تتركز معظم الأنشطة العسكرية المشتركة مع روسيا قرب ألاسكا، على بعد آلاف الكيلومترات من جرينلاند.