فيما يتباهى الرئيس دونالد ترامب بأنه أنعش الاقتصاد الأمريكي من خلال فرض ضرائب استيراد كبيرة على المنتجات الأجنبية، وهو ما جاء في مقاله الذي نُشر مؤخرًا في صحيفة "وول ستريت جورنال"، منتقدًا الصحيفة والنقاد، بمن فيهم خبراء اقتصاديون بارزون، لكن بالنظر إلى الوراء على السنة الأولى من ولايته الثانية، يظهر أن أدلته فاسدة.
وبينما قدّم الرئيس الجمهوري حجته في مقال الرأي مهاجمًا الذين توقعوا أن تأتي الرسوم الجمركية بنتائج عكسية، فترفع الأسعار وتهدد النمو، إذ كتب: "بدلًا من ذلك، خلقت هذه الرسوم معجزة اقتصادية أمريكية"، كشف تحليل لوكالة "أسوشيتد برس" أن الأدلة التي قدمها غالبًا ما تكون غير دقيقة أو خاطئة.
وبينما ذكر ترامب أنه"قبل أكثر من عام بقليل، كنا دولة ميتة.. والآن، نحن الدولة الأكثر حرارة في العالم"، يلفت التحليل إلى أن الاقتصاد الأمريكي لم يكن "ميتًا" على الإطلاق عندما عاد ترامب إلى منصبه العام الماضي. وفي ولايته الثانية حقق أداءً قويًا بعد بدايةٍ متعثرة.
بالفعل، لم تُعلن الأرقام الخاصة بعام 2025 بالكامل بعد، ولكن خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام، حققت تعريفات ترامب الجمركية -أو التهديد بها- نتائج متباينة للاقتصاد الأمريكي.
ارتفاع الواردات
خلال الفترة من يناير إلى مارس الماضي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات. وكان السبب الرئيسي واضحًا وهو "ارتفاع حاد في الواردات التي تُخصم من الناتج المحلي الإجمالي"، إذ سارعت الشركات الأمريكية إلى شراء المنتجات الأجنبية قبل أن يتمكن ترامب من فرض رسوم جمركية عليها.
لكن النمو انتعش في النصف الثاني من العام. فمن أبريل إلى يونيو، نما الاقتصاد بوتيرة جيدة بلغت 3.8%. ومن يوليو إلى سبتمبر، نما بوتيرة أسرع بلغت 4.4%. ويعود جزء كبير من هذا الانتعاش إلى انخفاض الواردات، وهو ما يعكس على الأرجح الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، فضلًا عن حقيقة أن المستوردين كانوا خزّنوا كميات كبيرة في بداية العام، كما أسهم الإنفاق الاستهلاكي القوي في دفع عجلة النمو الاقتصادي.
كما يُشير ترامب إلى المكاسب القوية التي حققها سوق الأسهم الأمريكي، مُلاحظًا أن الأسهم سجلت مستويات قياسية جديدة 52 مرة في عام 2025، ورغم أن سوق الأسهم الأمريكية حققت أداءً جيدًا العام الماضي إلا أنها كانت أقل من أداء العديد من أسواق الأسهم الأجنبية.
وارتفع مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" القياسي بنسبة 17%، وهي نسبة جيدة لكنها أقل من الارتفاع الذي حققته كوريا الجنوبية بنسبة 71%، وهونج كونج بنسبة 29%، واليابان بنسبة 26%، وألمانيا بنسبة 22%، والمملكة المتحدة بنسبة 21%.
وبينما قال: "نجحت في استخدام أداة التعريفة الجمركية لتأمين استثمارات ضخمة في أمريكا، لم يشهدها أي بلد آخر من قبل"، مشيرًا إلى التزامات بأكثر من 18 تريليون دولار، لكن ترامب لم يوضح كيف توصل إلى مبلغ 18 تريليون دولار، ونشر البيت الأبيض رقماً قدره 9.6 تريليون دولار، يشمل التزامات استثمارية من القطاعين الخاص والعام من دول أخرى.
التضخم
بينما ادعى الرئيس الأمريكي أن "معدل التضخم الأساسي السنوي انخفض خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى 1.4% فقط، وهو أقل بكثير مما توقعه أي شخص تقريبًا، باستثنائي"، يبدو أنه يستخدم بيانات منتقاة بعناية للمبالغة في تقدير مستوى التضخم الحالي.
جاء رقم ترامب للتضخم السنوي في الأشهر الثلاثة الماضية -والذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة- منخفضًا، ولكنه يعكس بيانات مشوهة بسبب إغلاق الحكومة في أكتوبر ونوفمبر، ما أدى إلى تعطيل جمع البيانات الحكومية وإجبار الوكالة التي تجمع الأرقام على إدخال تقديرات تقريبية في بعض الفئات، ما أدى إلى خفض التضخم الإجمالي بشكل مصطنع.
وبلغ معدل التضخم الأساسي السنوي للأشهر الستة الأخيرة من عام 2025 نسبة 2.6%، وهي نسبة أعلى من المسجلة في يناير 2025، لكنها تقارب النسبة التي كانت عليها في أكتوبر 2024.
وبشكل عام استقر التضخم هذا العام، إذ بلغ 3% في سبتمبر قبل إغلاق الحكومة، وهي النسبة نفسها التي كانت عليها في يناير 2025.
كما يظهر أثر الرسوم الجمركية بشكل أوضح في أسعار السلع الأساسية، التي لا تشمل الغذاء والطاقة.
قبل الجائحة، كانت أسعار السلع الأساسية بالكاد ترتفع -أو حتى تنخفض- سنويًا، لكنها في ديسمبر الماضي كانت أعلى بنسبة 1.4% مقارنةً بالعام السابق، وكانت هذه أكبر زيادة منذ عام 2011 خارج نطاق الجائحة.