من قلب السلطة التي حكمت ليبيا لعقود، خرج اسم سيف الإسلام القذافي، فتنقل من واجهة سياسية غير رسمية في سنوات الحكم، إلى متهم ملاحق بعد سقوط النظام، ثم إلى عزلة غامضة، قبل أن يعاود الظهور بمحاولات سياسية أعادت اسمه إلى الواجهة، واليوم، يُعلن مقتله لتطوى صفحة واحدة من أكثر المسارات إثارة في التاريخ الليبي الحديث بعد 54 عامًا لم يغادر المشهد الليبي.
إعلان الوفاة
أعلن رئيس الفريق السياسي لنجل الزعيم الليبي الراحل، عبدالله عثمان، مقتل سيف الإسلام القذافي، في تدوينة نشرها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، كتب فيها عبارة التعزية الشهيرة: "إنا لله وإنا إليه راجعون، سيف الإسلام القذافي في ذمة الله"، دون تفاصيل إضافية عن مكان أو توقيت الحادث.
عبدالله عثمان خلال حديث لوسائل إعلام ليبية أكد الواقعة، مشيرًا إلى أن أربعة مسلحين اقتحموا مقر إقامة سيف الإسلام بعد تعطيل كاميرات المراقبة، وقاموا بتصفيته، وحتى الساعة لم يصدر أي تعليق رسمي من أسرة القذافي بشأن الواقعة.
ردود متباينة
جاء إعلان عبدالله عثمان في وقت نعت فيه شخصيات ليبية عدة مقتل سيف الإسلام القذافي، كاشفة عن وقوع اشتباكات مع قيادات ميليشياوية في الغرب الليبي، في منطقة صحراوية قريبة من مدينة الزنتان بالجبل الغربي، وفق وسائل إعلام محلية.
في المقابل، نفى اللواء 444 بشكل قاطع ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن علاقته بالاشتباكات التي وقعت في مدينة الزنتان، وما رافقها من أنباء عن مقتل سيف الإسلام القذافي.
وأكد اللواء 444 قتال، في بيان نشره على صفحته الرسمية، أنه لا توجد له أي قوة عسكرية أو انتشار ميداني داخل مدينة الزنتان أو في نطاقها الجغرافي، كما لم تصدر إليه أي تعليمات أو أوامر تتعلق بملاحقة سيف الإسلام القذافي، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الليبية.
وأوضح اللواء 444 قتال التابع لسلطات المنطقة الغربية في ليبيا، أن ما يتم تداوله لا يندرج ضمن لائحة مهامه العسكرية أو الأمنية، مؤكدًا أنه غير معني بما جرى في الزنتان، ولا تربطه أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بالاشتباكات التي تحدث هناك.
رصيد شعبي
ويتمتع سيف الإسلام القذافي بشعبية في عدد من مناطق جنوب ووسط وغرب ليبيا، لا سيّما في مدن الزنتان وبني وليد وسبها، التي اتخذ الصحراء الممتدة بينها مقرًا لاختفائه لسنوات طويلة. ويعود ذلك جزئيًا إلى رمزيته لدى شريحة من الليبيين الذين يرون فيه امتدادًا لمرحلة سياسية سابقة،
النشأة
ولد سيف الإسلام القذافي، 25 يونيو 1972، داخل معسكر باب العزيزية، الابن الثاني لمعمر القذافي.
درس في مدارس طرابلس، وتخصص في الهندسة المعمارية، قبل أن يتخرج من كلية الهندسة عام 1994، ثم التحق لاحقًا بدراسات اقتصادية في النمسا وبريطانيا.
بعد تخرجه عام 1994 من كلية الهندسة بطرابلس مهندسًا، التحق سيف الإسلام بمركز البحوث الصناعية في العاصمة، ثم عمل عام 1996 في مكتب استشاري، وفي وقت لاحق، حصل على رتبة رائد في الجيش الليبي دون انتساب رسمي للمؤسسة العسكرية، وترأس مؤسسة القذافي الخيرية للتنمية التي أُنشئت عام 1998.
ملفات دولية
وتحت مظلة مؤسسة القذافي الخيرية للتنمية، شارك عام 2000 في التفاوض مع مجموعة أبي سياف الفلبينية التي كانت تحتجز رهائن ألمان، وتمكن من تحريرهم مقابل مبلغ مالي قُدر بنحو 25 مليون دولار.
كما لعب دورًا في تسوية ملف لوكيربي، المرتبط بإسقاط طائرة "بان أمريكان" المتجهة إلى نيويورك فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية، 21 ديسمبر 1988، ما أسفر عن مقتل 259 راكبًا و11 شخصًا من سكان البلدة.
وكان له أيضًا دور في إنهاء ملف البرنامج النووي الليبي، الذي جرى تفكيكه مقابل رفع الحصار واستئناف العلاقات مع الولايات المتحدة لاحقًا، كما في رصيده كذلك دور محوري في تسوية قضية الممرضات البلغاريات، اللواتي أُفرج عنهن، يوليو 2007 بعد سنوات من السجن.
ملاحقات قضائية
اختفى عن الأنظار عام 2017، بعد أن أطلقت سراحه مجموعات مسلحة في مدينة الزنتان، ألقت القبض عليه نوفمبر 2011، عقب سقوط نظام والده.
بعد أحداث 17 فبراير 2011 التي قُتل فيها والده الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، أعلن مسؤولون ليبيون، 19 نوفمبر 2011، اعتقاله في منطقة صحراوية قرب مدينة أوباري، قبل نقله إلى سجن في الزنتان.
وفي عام 2015 صدر بحقه حكم بالإعدام بعد محاكمة وُصفت بالسريعة، لكن رفضت مجموعة مسلحة في الزنتان تسليمه إلى السلطات الليبية أو إلى المحكمة الجنائية الدولية المطالب لديها باتهامات حقوقية.
وطالبت المحكمة الجنائية الدولية بتسليمه لمحاكمته بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أحداث عام 2011، إلا أن السلطات الليبية آنذاك رفضت الطلب.
مسيرة سياسية
لعب سيف الإسلام أدوارًا سياسية وإعلامية في الشأن الليبي، إذ ظل اسمه حاضرًا في المشهد الليبي، رغم عدم شغله أي منصب سياسي رسمي خلال فترة حكم العقيد الراحل معمر القذافي، كما كان محل جدل واسع، خصوصًا بعد اندلاع أحداث 2011.
وظهر سيف الإسلام القذافي على شاشات التلفزيون الليبي عدة مرات مدافعًا عن والده عقب اندلاع أحداث 2011، في وقت واجه فيه انتقادات حادة من معارضين ليبيين في الخارج.
في نوفمبر 2021، تقدم سيف الإسلام بملف ترشحه للانتخابات الرئاسية من مدينة سبها، وقُبلت أوراقه ثم استُبعد، قبل أن تعيد محكمة سبها إدراجه مجددًا.
وفي عام 2022، قدم مقترحات قال إنها تهدف إلى حل الأزمة الليبية، من بينها الدعوة إلى انتخابات فورية أو انسحاب الطبقة السياسية الحالية.
واليوم، تنتهي مسيرته بإعلان مقتله، وسط استمرار التضارب في الروايات وعدم صدور تأكيد رسمي نهائي، فيما لا يزال مصيره محل جدل، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات والتطورات القادمة، لنتنهي مسيرة سياسية محفوفة بالمخاطر.