تتواصل فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته السابعة والخمسين، حيث عقدت ندوة لمناقشة كتاب "الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي" الصادر عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، على هامش فعاليات المعرض.
شارك في الحوار مؤلف الكتاب ورئيس وحدة التحولات التكنولوجية د. إيهاب خليفة، وخبير الشؤون التكنولوجية بمجلس الوزراء المصري و د. زياد عبدالتواب، وأدار النقاش الدكتور أبو الفضل الإسناوي، مدير تحرير مجلة السياسة الدولية، بحضور الأستاذ حسام إبراهيم، المدير التنفيذي لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، وعدد من الخبراء والباحثين يتقدمهم اللواء دكتور أحمد زغلول مهران المشرف العام لمركز رع للدراسات الإستراتيجية، ومساعد مدير المخابرات الحربية الأسبق.
تحولات منطق الحرب والقوة
وقال الدكتور أبو الفضل الإسناوي إن كتاب "الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي" لا يناقش تكنولوجيا جديدة ولا استشراف لمستقبل بعيد، وإنما يستهدف الوقوف أمام تحول عميق يمس جوهر الحرب ومنطق القوة ذاته، مضيفًا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة مساعدة في ميدان القتال، بل أصبح عنصرًا فاعلًا يعيد تشكيل القرار العسكري ويطرح أسئلة غير مسبوقة حول المسؤولية والشرعية والحد الفاصل بين الدور الإنساني ودور نظم الذكاء الاصطناعي المستقلة خاصة في مجال الحروب.
وفي ختام استعراضه لمحاور وأفكار الكتاب، أثار "الإسناوي" التساؤل الأبرز الذي يتناوله الكتاب: من يتخذ القرار في الحرب حين تشارك الخوارزميات في صناعته؟
الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد القرار العسكري
وخلال مداخلته، أشار د. إيهاب خليفة إلى أنه على الرغم من تعدد أجيال الحروب وأدوات القتال على مدار التاريخ ظلت الحرب فعل إنساني يخوضه البشر على كل المستويات من التخطيط وإدارة العمليات العسكرية، وصولًا إلى الاشتباك والقتال في ميادين ومجالات الحرب المختلفة، إلا أن دخول الذكاء الاصطناعي كمتغير قد يسهم في تغيير تلك المعادلة جذريًا، وهو ما يطرح إشكالية في حالة خوض حروب بين نماذج للذكاء الاصطناعي قيادة وتخطيطًا وقتالًا.
ونوه إلى التطورات المتسارعة في قدرات تعلم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وآليات التعلم كذلك ومدى استقلالية بعض النظم والتطبيقات لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والتي بلغت حدًا من التعلم واكتساب المهارات خارج نطاق الأوامر البشرية المباشرة، على غرار تطور برنامج "ألفا زيرو" في الشطرنج والألعاب الإستراتيجية والذي لم تدربه شركة "ألفابت" خصيصًا لذلك الغرض، لكنه نجح في ابتكار وتطوير إستراتيجيات مكنته من هزيمة كبار محترفي اللعبة وغيرهم من تطبيقات مماثلة.
واستكمل خليفة استعراض رؤيته حول تداخل الذكاء الاصطناعي في البعد الإستراتيجي وعملية صنع واتخاذ القرار العسكري، بالتوازي مع تطور قدرات التعلم الذاتي لتلك النماذج والتي قد تنتهي إلى غياب العامل البشري عن سلسلة التعلم وانتقال المعارف والعلوم والبيانات مباشرة بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي وصولًا إلى خوض حروب بين تلك التطبيقات العسكرية في إطار التنافس المتزايد بين القوى العظمى على تطوير تلك القوة الواعدة والتي وصفها دورها في عالم اليوم بـ"التكنولوجيا النووية" باستخداماتها المدنية والعسكرية.
وبالحديث عن قدرات تعلم نماذج اللغة الكبيرة مثل (تشات جي بي تي) الأمريكي و(ديب بلو) الصيني، استشهد خليفة بإشادة سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" المطورة لنموذج اللغة الأشهر والأوسع انتشارًا عالميًا "تشات جي بي تي"، بتطور قدرات "ديب بلو" الذي اكتسب جانبًا من قدراته في التعلم بالاعتماد على نموذج أوبن إيه آي".
واعتبر مؤلف الكتاب أن يونيو 2025 مثَّل عاملًا فارقًا في توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري من خلال عملية "شبكة العنكبوت" الأوكرانية والتي استهدفت قواعد القاذفات الإستراتيجية على امتداد الجغرافيا الروسية الشاسعة وعمليات المُسيَّرات الإسرائيلية في الداخل الإيراني خلال حرب الـ12 يومًا، إذ لعب البعد التقني دورًا في تحسين ودقة الاستهداف لتدمير أهداف عالية القيمة.
100 مليون مستخدم خلال شهرين
وفي إطار مداخلته، أشار د. زياد عبدالتواب إلى سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وسرعة انتشار التكنولوجيا بين الجمهور، منوهًا إلى بلوغ عدد مستخدمي نموذج تشات جي بي تي نحو 100 مليون شخص خلال 60 يومًا من إطلاقه، وهو رقم لم تبلغه شبكات الاتصالات الأرضية إلا بعد 74 عامًا.
واعتبر "عبدالتواب" أن هذا التحول في دمج الذكاء الاصطناعي في مجالات متخصصة وصولًا إلى المجال العسكري لم يعد مطروحًا للنقاش كقضية مستقبلية، بل هو واقع قائم وينبغي التعامل معه، مشيرًا إلى التطورات الثورية في دمج تلك التطبيقات المستقلة على مجسمات أصغر وأكثر دقة من المُسيَّرات بشكلها الحالي إلى مُسيَّرات مدمجة أصغر قد تبلغ حجم "الذباب". وقلل خبير الشؤون التكنولوجية بمجلس الوزراء المصري من إمكانية خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.
وفي معرض تعقيبه على مجريات الندوة، قال المدير التنفيذي لمركز المستقبل حسام إبراهيم إن الهدف من النقاش هو دق جرس الإنذار لحجم التطور في استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي عالميًا، منوهًا إلى وجود جهد أولي من المركز لاستكشاف آفاق تأثير الذكاء الاصطناعي على مختلف المجالات والأصعدة وأهمية الإسهام في طرح تلك القضية للنقاش، خاصة في بعدها التقني كما تعرض لها الكتاب.