في صبيحة السادس والعشرين من أكتوبر الماضي، لم يكن الدكتور محمد إبراهيم (28 عامًا) يرتدي معطفه الطبي الأبيض ليعالج المرضى في مدينة الفاشر فحسب، بل ليكون شاهدًا على اللحظات الأخيرة لمدينة كانت تُصارع للبقاء.
في ذلك اليوم، سقطت الفاشر، المعقل الأخير للجيش السوداني في دارفور، وتحولت في غضون ساعات إلى ما وصفه محمد بـ"يوم القيامة".
مدينة الأشباح
يروي إبراهيم، في شهادة حصرية لـ"أسوشيتد برس"، كيف انهار كل شيء فجأة، موضحًا: "كان الرصاص ينهال من كل حدب وصوب، ورأينا الناس يسقطون أمامنا كأوراق الشجر".
يتابع الطبيب الذي اضطر للفرار من "المستشفى السعودي"، آخر مراكز المدينة الطبية، بعدما اقتحمه مقاتلو قوات الدعم السريع: "لم يكن الهروب نزهة، بل كان سباقًا مع الموت عبر شوارع غطاها الدخان وافترشتها الجثث".
اختبأ محمد في خزان مياه فارغ لساعتين، مستمعًا لصرخات الضحايا الذين كان يطاردهم المسلحون، ثم احتمى بجدار متهدم خلف مشرحة كلية الطب، قبل أن يقطع المسافة نحو القاعدة العسكرية متعثرًا بجثث النساء والأطفال الذين دهستهم المركبات أو حصدتهم القذائف، على حد وصفه.
رحلة الخنادق والظلام
يستطرد الطبيب الشاب موضحًا أنه مع حلول المساء، انضم إلى نحو 200 نازح في رحلة يائسة نحو بلدة "الطويلة"، وتحت ضوء القمر، تسلقوا خنادق حفرتها القوات المحاصِرة بارتفاع ثلاثة أمتار، موضحًا: "كان علينا أن ننزلق ونرتفع في ظلام دامس، ومن تعثر أو سقط في قاع الخندق، لم نعد نعرف عنه شيئًا حتى الآن".
لكن النجاة من الرصاص لم تعنِ النجاة من القيد، فعند مشارف البلدة، وقع إبراهيم وزميله في أسر مقاتلي الدعم السريع، وبدلًا من احترام حصانتهما الطبية، كان "الرداء الأبيض" نقمة عليهما. قيدوهما بالسلاسل خلف دراجات نارية وأجبروهما على الركض، ثم علقوهما على الأشجار تحت وطأة الاستجواب.
"قالوا لنا: أنتم أطباء، لديكم المال، المنظمات تغدق عليكم"، يتذكر محمد صدمته حين طلب الخاطفون فدية قدرها 20 ألف دولار، وهو مبلغ خيالي في بلد يرزح تحت الفقر والحرب، وبعد جولات من الضرب بأعقاب البنادق والتهديد بالقتل استقرت الفدية على 8 آلاف دولار لكل منهما، جُمعت بشق الأنفس من عائلاتهم المشردة.
ندوب لا تندمل
اليوم، يعيش الدكتور محمد في بلدة الطويلة بعيدًا عن جحيم الفاشر، لكن الجحيم لا يزال يسكنه، فالمدينة التي غادرها وصفتها منظمة "أطباء بلا حدود" مؤخرًا بأنها "مدينة أشباح"، خالية من الحياة ومهجورة إلا من رائحة الموت.
تقول المحكمة الجنائية الدولية إن ما حدث في الفاشر يمثل "ذروة الجرائم المنظمة والواسعة النطاق"، بينما لا يزال آلاف السكان مفقودين، أما محمد، الذي عانقه زملاؤه وبكوا حين رأوه حيًا، فيقول: "كانت معجزة أن أخرج.. لكنني لا أستطيع نسيان الوجوه التي تركتها خلفي في الخنادق".