في إطار احتفاله بمئويات الرموز الإعلامية والفكرية المؤثرة في تاريخ مصر الحديث، نظم الصالون الثقافي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة خاصة للاحتفاء بمئوية الإذاعي الراحل أحمد سعيد، مؤسس إذاعة صوت العرب، وأحد أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل الوعي القومي العربي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
وقدمت الندوة الإعلامية الدكتورة لمياء محمود، التي استهلت كلمتها بالتأكيد على أن أحمد سعيد لم يكن مجرد مذيع، بل شاهدًا وشريكًا في لحظات مفصلية من عمر الوطن، قائلة إننا نقف أمام أحد أعمدة الإعلام في التاريخ، رجل كتب بصوته صفحات خالدة من تاريخ مصر والعروبة.
ووجهت الدكتورة لمياء محمود الشكر لوزارة الثقافة، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للكتاب ودار الأوبرا المصرية، كما خصّت بالشكر الإذاعي الكبير عبدالوهاب البسيوني، مؤكدة أن استعادة هذه القامات تمثل ضرورة ثقافية للحفاظ على الذاكرة الوطنية.
وكشفت أن الاسم الكامل لأحمد سعيد هو أحمد سعيد سيد علي، وهو ما لا يعرفه كثيرون، مشيرة إلى أنه درس القانون وتخرج في جامعة فؤاد الأول عام 1949، ثم عمل بالصحافة قبل أن ينتقل إلى الإذاعة ويتولى برنامج العلاقات الخارجية، في تجربة مهدت لدوره التاريخي لاحقًا.
وسلطت الضوء على واحدة من أكثر محطاته جرأة، حين كان يسافر إلى مناطق الفدائيين ويسجل العمليات الفدائية صوتيًا لبثها عبر الإذاعة، في سابقة إعلامية غير مسبوقة جسدت التلاحم بين الإعلام والمقاومة.
وأوضحت أن إذاعة صوت العرب انطلقت رسميًا برئاسته في الثالث من يوليو عام 1953، بينما سبق إرسالها الفعلي هذا التاريخ بنحو أربعين يومًا، تزامنًا مع نفي السلطان محمد الخامس وسقوط أول شهيدة في الثورة المغربية، لتتحول الإذاعة إلى منبر للنضال العربي وصوت محرك لثورات الشعوب.
وخلال هذه المرحلة، تحولت صوت العرب إلى مدرسة إعلامية كبرى، وبلغ تأثير أحمد سعيد حد أن شركات أجهزة الراديو استثمرت اسمه على منتجاتها، كما امتد حضوره إلى الدراما الإذاعية بتقديم أول مسلسل وطني "في بيتنا رجل"، إلى جانب تنظيم حفلات "ليالي الشرق" في عدد من العواصم العربية.
ومن داخل مكتبه خرج نشيد "قسما"، الذي وضع موسيقاه محمد فوزي، ليصبح النشيد الوطني الجزائري حتى اليوم، في واحدة من أبرز الشهادات على الدور الإعلامي المصري في دعم الثورة الجزائرية.
واستعادت الدكتورة لمياء محمود تجربتها الشخصية مع أحمد سعيد خلال إعداد رسالة الماجستير في أوائل التسعينيات، مؤكدة أنه فتح لها أرشيفه الخاص، ومنحها وثائقه، وسجل لها شهادته بصوته، واحتضنها علميًا وإنسانيًا، قائلة إنه كان كريمًا في معرفته ومشاعره، وفاجأها برسالة تهنئة عقب حصولها على الدرجة العلمية.
وشهدت الندوة حضور أسرة الراحل، يتقدمهم زوجته وابنه الدكتور خالد وابنته نسمة، إلى جانب عدد من قيادات إذاعة صوت العرب، حيث أكد المتحدثون أن أحمد سعيد كان يتمتع بأدب جم وابتسامة دائمة، وأنه تعرض لظلم تاريخي بعد نكسة 1967، إذ كان يذيع بيانات صادرة عن القيادة السياسية والعسكرية دون أي تدخل أو تحريف.
وفي رسالة مؤثرة، وصف الإذاعي الكبير فهمي عمر أحمد سعيد بأنه الصوت الذي أرعب أعداء مصر، فيما تحدث الإذاعي محمد مرعي عن صرامة التدريب داخل صوت العرب، مؤكدًا أن أحمد سعيد كان يرى في الفن والثقافة والغناء جزءًا أصيلًا من معركة الوعي والمقاومة.
كما أشارت الإذاعية الكبيرة ميرفت عمر إلى الحرية غير المسبوقة التي تمتعت بها داخل الإذاعة، مستشهدة بجملة أحمد سعيد التي اعتبرتها بوصلة حياتها المهنية، ومؤكدة في كتابها "صفر الحماقة" أنه كان حاملًا حقيقيًا للواء العلم والإيمان والوطنية، وصانعًا إعلاميًا لثورة الجزائر.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن أحمد سعيد سيظل صوتًا لا يموت، حاضرًا في ذاكرة الأمة ووجدانها.
الأعمال الكاملة للدكتور شاكر عبدالحميد
بالتوازي مع الاحتفاء بالرموز الإعلامية، أعلنت الهيئة المصرية العامة للكتاب، إطلاق أربعة عناوين جديدة ضمن مشروع الأعمال الكاملة للمفكر والناقد الراحل الدكتور شاكر عبدالحميد، وزير الثقافة الأسبق وأحد أبرز علماء علم نفس الإبداع في الوطن العربي.
وتأتي هذه الإصدارات في إطار مشروع ثقافي يستهدف إحياء التراث الفكري والنقدي لكبار المفكرين المصريين، وإتاحة دراسات علمية رصينة تمزج بين التحليل النفسي والرؤية الجمالية والفكرية المعاصرة.
وتشمل الإصدارات كتاب الأدب والجنون، الذي يقدم قراءة نقدية معمقة للعلاقة بين الإبداع والمرض العقلي، مفندًا فكرة التلازم بين العبقرية والجنون، ومؤكدًا أن الإبداع يقوم على التنظيم لا التفكك.
كما صدر كتاب الفكاهة والضحك برؤية جديدة، يتناول الضحك بوصفه آلية نفسية واجتماعية لمواجهة الألم، وأداة ثقافية وسياسية، مع ربطه بظواهر العولمة وما بعد الحداثة.
ويضم المشروع أيضًا كتاب التفضيل الجمالي، الذي يعد من أبرز الدراسات العربية في سيكولوجية التذوق الفني، مستعرضًا نظريات الفلاسفة وعلماء النفس لفهم الخبرة الجمالية وآلياتها.
أما كتاب التفسير النفسي للتطرف والإرهاب، فيغوص في جذور الظاهرة المتطرفة، محللًا أبعادها النفسية والسياسية، ومناقشًا الأجندات التي تدفع نحو التشدد بمختلف صوره.
ويعد الدكتور شاكر عبدالحميد واحدًا من القامات الثقافية التي تركت أثرًا بالغًا في النقد الفني وعلم النفس الثقافي، إذ شغل منصب وزير الثقافة وكان أستاذًا لعلم نفس الإبداع بأكاديمية الفنون، وترك عشرات المؤلفات والترجمات التي أسهمت في تشكيل الوعي النقدي العربي المعاصر.