تخشى الولايات المتحدة الأمريكية من تقارب بين بغداد وطهران، مع احتمال تولي نور المالكي رئاسة الوزراء في العراق، بعد أن حظي بتأييد الإطار التنسيقي الشيعي.
وترفض الولايات المتحدة عودة نوري المالكي بسبب مخاوفها من علاقته الوثيقة مع إيران، وسجله السابق في تطبيق سياسات طائفية أدت إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في البلاد. وتخشى أن تؤدي عودته إلى تشكيل حكومة موالية لإيران بالكامل، مما يقوض جهود الولايات المتحدة لدفع العراق للنأي بنفسه عن النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، بحسب شبكة "إن بي سي" الإخبارية.
رفض أمريكي
وأعربت واشنطن عن مخاوفها بشأن تعميق الجماعات المرتبطة بإيران لنفوذها في المنطقة، بما في ذلك العراق، في الوقت الذي كان من المقرر أن ينتخب البرلمان العراقي رئيسًا، أمس الثلاثاء، لكن التصويت تأجل بعد عدم التوصل إلى اتفاق بشأن المرشح الرئاسي.
عاد نوري المالكي -بخلفيته الشيعية- إلى دائرة الأضواء بعد ترشيحه من قبل التحالف الشيعي الحاكم لتولي منصب رئيس الوزراء مرة أخرى، وسط قلق دولي بشأن علاقاته الوثيقة مع إيران وتأثيرها على السياسة العراقية، بحسب موقع "إن تي في" الألماني.
وذكرت شبكة "إيه بي سي نيوز"، أن واشنطن تضغط على العراق للنأي بنفسه عن إيران، وتعتبر المالكي مقربًا جدًا من طهران، وشهدت ولايته الأخيرة، التي انتهت عام 2014، صعود تنظيم "داعش" الإرهابي الذي سيطر على مساحات واسعة من البلاد.
الفقر والفوضى
حذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أن إعادة انتخاب المالكي قد تؤدي إلى سحب الدعم الأمريكي عن العراق، موضحًا على منصة "تروث سوشيال"، أن "الولايات المتحدة لن تقدم أي مساعدة للعراق بسبب سياساته "المتطرفة وأيديولوجيته"، مؤكدًا أن ولايته السابقة شهدت البلاد خلالها "انغماسًا في الفقر والفوضى"، وأنه لا ينبغي تكرار هذا السيناريو، على حد وصفه.
كرر ترامب تحذيره من أن "العراق قد يتخذ قرارًا سيئًا" إذا عاد المالكي للسلطة، مضيفًا "دون دعمنا، ليس للعراق أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية"، سرعان ما أثار ذلك ردود فعل متباينة بين المسؤولين الأمريكيين حول إستراتيجيتهم في مواجهة النفوذ الإيراني، إلى جانب ذلك تتوافق هذه التحذيرات مع محاولة واشنطن الحد من تأثير طهران على السياسات العراقية في ظل المنافسة الإقليمية المستمرة.
وأعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عن قلقه بشأن علاقات المالكي بإيران، خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني، الأحد الماضي، مؤكدًا "أن الحكومة التي تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق في المقام الأول بنجاح".
كثيرًا ما خالف ترامب الأعراف بالتدخل في انتخابات دول أخرى، ودعم مرشحين يمينيين آخرين في انتخابات بولندا ورومانيا وهندوراس، وفي وقت سابق من يناير الجاري، اعتقل الجيش الأمريكي الرئيس الفنزويلي آنذاك نيكولاس مادورو، تمهيدًا لمحاكمته في نيويورك.
عودة محتملة
من جانبه؛ استنكر رئيس الوزراء العراقي السابق التهديدات، التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنهاء الدعم الأمريكي للعراق إذا عاد إلى السلطة.
واختير نوري مالكي، الذي تربطه علاقات بإيران، في نهاية الأسبوع من قبل الائتلاف الحاكم للأحزاب، التي يقودها الشيعة كمرشح لمنصب رئيس الوزراء.
وتميزت فترة المالكي، بين عامي 2006 و2014 بالعنف الطائفي، وتنحى عن منصبه بعد أن سيطر تنظيم "داعش" الإرهابي على أجزاء كبيرة من البلاد.
وفي عام 2014، انهارت قوات الأمن العراقية التي كانت تحت قيادته عندما سيطر مئات من مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي على جزء كبير من شمال شرق العراق، بما في ذلك مدينة الموصل.
وبعد ثلاثة أشهر، تم استبدال المالكي كرئيس للوزراء بعد أن فقد دعم الميليشيات الرئيسية والزعماء السياسيين من طائفته الشيعية والعديد من القوى الخارجية، بما في ذلك إيران.
ما بعد صدام حسين
تولى المالكي السلطة بعد سقوط نظام صدام حسين، وواجه انتقادات واسعة بسبب سوء إدارة الدولة، ما أسهم في ظهور تنظيم "داعش"، إضافة إلى اتهامات بالفساد داخل حكومته، في الوقت نفسه حافظ على نفوذه داخل التحالفات الشيعية في العراق، وساعدت علاقاته الوثيقة مع إيران في تعزيز موقعه الإقليمي، إلى جانب ذلك أثارت هذه العلاقات مخاوف أمريكية بشأن توسع النفوذ الإيراني في العراق.
وبعد أكثر من 20 عامًا على الغزو الأمريكي وسقوط صدام حسين، وإثر سنوات طويلة من سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من البلاد، إذ تواجه الحكومة المقبلة تحديات أمنية واقتصادية وسياسية كبيرة، إضافة إلى التوترات الطائفية.
المنفى والعودة
ولد مالكي عام 1950 في جاناجا، قرية جنوبية تقع بين بساتين النخيل على نهر الفرات، في عائلة منخرطة سياسيًا، كتب جده الشعر الذي يحرض على التمرد ضد المحتلين البريطانيين للعراق وكان والده قوميًا عربيًا متحمسًا، وفق تقرير لشبكة "بي بي سي" البريطانية.
أُلقي القبض عليه لفترة وجيزة عام 1979 ثم فرّ، ونجا من قبضة شرطة صدام، وتمت مصادرة أراضي عائلته وقُتل العشرات من أقاربه خلال العقد التالي، لم يرَ قريته الأصلية مرة أخرى إلا بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة.
وتمتد جذوره السياسية لعقود مضت، وتشكلت من خلال معارضته لحكم صدام الاستبدادي ومنفاه الطويل الذي صاغ قناعاته الأيديولوجية.
حُكم على المالكي بالإعدام في عهد صدام حسين، وقضى قرابة 25 عامًا في المنفى، معظمها في سوريا وإيران، وعاد إلى العراق بعد سقوط صدام، ليكتب نهاية لنظام سني اضطهد الشيعة والأكراد طويلًا.
كان المالكي، الذي لم يكن معروفًا كثيرًا في العراق قبل عودته، خيارًا توافقيًا لقيادة حكومة ائتلافية هشة، عام 2006.