الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الملاكمة.. القبضة تتحول إلى حكايات إنسانية على الشاشة

  • مشاركة :
post-title
الفنان أحمد العوضي من مسلسل "علي كلاي" المقرر عرضه في رمضان 2026

القاهرة الإخبارية - محمد عبد المنعم

عاشت الملاكمة لعقود طويلة كأحد أكثر الفنون القتالية حضورًا وتأثيرًا، قبل أن تجد طريقها الطبيعي إلى السينما، حيث تحولت القبضة إلى لغة درامية، والحلبة إلى مسرح تتقاطع عليه أحلام الصعود والانكسار والانتصار الأخير.

وصارت الملاكمة مادة درامية ثرية، تختصر الصراع الجسدي والنفسي في إطار إنساني مكثف، يلامس وجدان المتلقي مباشرة.

الملاكمة بالسينما العالمية

منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، قدمت هوليوود عشرات الأفلام التي اتخذت من الملاكمة محورًا أساسيًا، ونجحت في تحويلها إلى ملحمة إنسانية تتجاوز حدود الرياضة، وتظل سلسلة أفلام "روكي" للنجم سيلفستر ستالون النموذج الأبرز، إذ جسّد شخصية الملاكم روكي بالبوا، البطل المُهمَّش الذي يقاتل العالم بإصراره قبل قبضته، ليصبح رمزًا عالميًا للإرادة وعدم الاستسلام.

ورغم تراجع شعبية الملاكمة نسبيًا مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وظهور رياضات قتالية جديدة أكثر حداثة، فإن السينما لم تتخل عنها بل استمرت في تقديم أفلام تعتمد على معادلة درامية ثابتة لكنها فعالة: بطل مستضعف وطريق شاق وسقوط مؤلم، ثم نهوض وانتصار يترك أثرًا عاطفيًا عميقًا لدى المشاهد.

السينما المصرية

هذا الارتباط بين الملاكمة والسينما لم يكن حكرًا على هوليوود، بل وجد صداه في السينما المصرية، التي قدمت عبر عقود عدة نماذج إنسانية لأبطال يصارعون الفقر والتهميش داخل الحلبة وخارجها، بحثًا عن حلم العمر.

وشهدت الساحة الفنية المصرية مؤخرًا عودة واضحة لهذا النوع من الأعمال، من بينها فيلم "Giant" بطولة أمير المصري، الذي جسَّد شخصية الملاكم العالمي من أصل يمني نسيم حميد، مقدمًا صورة مختلفة للملاكم الذي يجمع بين الجرأة والموهبة والكاريزما، كما تنتظر الدراما المصرية عرض مسلسل "علي كلاي" بطولة أحمد العوضي في موسم رمضان 2026، إلى جانب مسلسل "بطل العالم" بطولة عصام عمر وجيهان الشماشرجي، والذي يُعرض حاليًا.

إرث فني

وسبق هذه التجارب عدد من الأعمال الخالدة التي تناولت الملاكمة، يأتي في مقدمتها فيلما "النمر الأسود" و"كابوريا" للنجم الراحل أحمد زكي، الذي جسد شخصيات خرجت من بيئات فقيرة ومهمشة، وحولت الملاكمة إلى وسيلة للصعود الاجتماعي وتحقيق الذات. وشكّلت هذه الأعمال علامات فارقة في تاريخ السينما الرياضية المصرية، لما حملته من عمق إنساني وواقعية اجتماعية.

واستكملت السينما هذا المسار بأعمال لاحقة، مثل فيلم "حلم العمر" لحمادة هلال، الذي روى قصة شاب بسيط يحلم بالوصول إلى العالمية رغم القيود الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى تجارب أحدث مثل فيلم "5 جولات"، الذي انتقل إلى عالم الفنون القتالية المختلطة.

ومع نجاح هذه الأعمال، انتقلت الفكرة إلى الدراما التلفزيونية، عبر مسلسل "جولة أخيرة" بطولة أحمد السقا، الذي عُرِض عام 2024، وركز على رياضة الفنون القتالية المختلطة (MMA)، متناولًا الجوانب النفسية والإنسانية لبطل العمل، وممهدًا الطريق لتجارب درامية جديدة تعتمد على الرياضات القتالية، في ظل هيمنة كرة القدم على الأعمال الدرامية لسنوات طويلة.

أعمال محدودة

يرى الناقد السينمائي كمال رمزي أن الأعمال التي تناولت رياضة الملاكمة في السينما المصرية لا تزال محدودة، وغالبًا ما جاءت في إطار الصراع لإثبات الذات، ويؤكد أن الملاكمة -على عكس المصارعة- لم تحقق في مصر نجاحات عالمية بارزة أو تفرز أبطالًا دوليين، وهو ما انعكس على ندرة الأفلام التي تتخذ منها موضوعًا رئيسيًا.

ويضيف "رمزي" أن الإقبال على أفلام الملاكمة لا يمكن اعتباره ظاهرة عامة، بل استثناء يعكس اهتمام شريحة من الشباب بأفلام الرياضة، لما تحمله من تكثيف للصراع البدني والنفسي، وتجسيد لقوة الإرادة والتحدي، كما يشدد على صعوبة إصدار حكم مطلق على هذا النوع من الأعمال، نظرًا لتفاوتها بين تجارب إنسانية عميقة وأخرى تجارية محدودة القيمة.

لا تكفي لنجاح العمل

أما الناقد طارق الشناوي فيرى أن رياضة الملاكمة تحظى بشعبية واسعة على مستوى العالم، مشيرًا إلى أنها بطولة فريدة من نوعها، بخلاف كرة القدم التي تعد لعبة جماعية، إذ تعتمد الملاكمة على الجهد الفردي بشكل كامل.

ويوضح أن لاعب الملاكمة يمتلك مساحة أكبر لاستعراض قدراته الجسدية مقارنة بلاعب كرة القدم، نظرًا للطابع البدني المكثف لهذه الرياضة.

ويؤكد الشناوي أن للملاكمة سحرًا خاصًا وجمهورًا كبيرًا، خاصة مع ارتباطها بأبطال تاريخيين مثل محمد علي كلاي، وهو ما يمنح دلالات رمزية لدى المتلقي عند توظيف هذه النماذج في الأعمال الفنية.

كما أشار إلى أن السينما المصرية قدمت نماذج بارزة لتجسيد شخصية الملاكم، من بينها أعمال الفنان أحمد زكي، الذي جسد دور الملاكم في أكثر من عمل.

ومع ذلك، يشدد الشناوي على أن جاذبية رياضة الملاكمة وحدها لا تكفي لنجاح أي عمل فني، بل يجب أن يستند العمل إلى سيناريو قوي، وإخراج واعٍ، وأداء احترافي من ممثلين قادرين على تقديمه بإتقان، بما يضمن جذب الجمهور وتحقيق التأثير المطلوب.

أعمال أجنبية

من جهتها، ترى الناقدة ماجدة موريس أن أغلب الأعمال المصرية التي تناولت الملاكمة مستوحاة من نماذج أجنبية، نتيجة ضعف العمق الدرامي، معتبرة أن هذه الأعمال تقدم قصصًا سريعة الاستهلاك، قد تناسب جمهورًا صغير السن أكثر من غيره.

وتؤكد موريس أن تجسيد شخصية الملاكم على الشاشة لا يعتمد على البنية الجسدية للممثل بقدر ما يرتبط بقوة السيناريو وجودة القصة، مشددة على أن الأداء الفني والكتابة هما الفيصل الحقيقي في تقييم أي عمل، وليس "الفورمة" أو الشكل الخارجي.