وجد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو نفسه مُضطرًا لقبول مطالب الحزب الاشتراكي بفرض ضرائب إضافية على أكبر الشركات في البلاد، مقابل إنقاذ حكومته الضعيفة من السقوط وتمرير موازنة 2026 التي تعثرت لشهور.
حكومة أقلية
كشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن لوكورنو، الذي يقود حكومة أقلية دون أغلبية برلمانية، اعترف صراحةً باستحالة تمرير الموازنة عبر التصويت التقليدي في البرلمان. ولهذا السبب، من المتوقع أن يعلن، يوم الاثنين، لجوءه إما لاستخدام المادة الدستورية 49.3 التي تمنحه صلاحية تجاوز المشرعين وتمرير القوانين دون تصويت في المجلس، أو اعتماد الموازنة عبر مرسوم تنفيذي مباشر.
لكن هذه الخطوة الدستورية الاستثنائية ليست دون ثمن سياسي باهظ، إذ ستدفع أحزاب المعارضة من أقصى اليمين وأقصى اليسار لطرح تصويت بحجب الثقة عن الحكومة في الجمعية الوطنية. وهنا يظهر دور الحزب الاشتراكي كلاعب محوري، إذ أصبح لديه الكتلة التصويتية الحاسمة التي تملك وحدها القدرة على إسقاط الحكومة أو إبقائها، خاصةً بعد سقوط رئيسي وزراء آخرين في أكثر من عام فقط.
تنازلات مكلفة مقابل البقاء السياسي
قدم لوكورنو سلسلة واسعة من التنازلات للاشتراكيين بعد أسابيع من المفاوضات المريرة، شملت التراجع عن مقترحات رئيسية كانت تهدف لخفض العجز المالي. إذ تخلى عن خطط تجميد الإنفاق الحكومي خارج قطاع الدفاع، وألغى فكرة إلغاء الإعفاءات الضريبية للمتقاعدين، بل ذهب إلى ما أبعد من ذلك بالوعد بتوسيع نطاق الوجبات المدعومة لطلاب الجامعات ورفع الأجور الصافية للعمال ذوي الدخل المنخفض من خلال نظام مزايا جديد.
الأهم من ذلك، تخلى لوكورنو، في ديسمبر الماضي، عن الإصلاح الوحيد المهم في ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون الثانية، وهو إصلاح نظام التقاعد الذي رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عامًا بعد معارك سياسية طاحنة.
وأكد النائب الاشتراكي البارز بوريس فالو، لصحيفة "لو باريزيان"، أن حزبه "حقق انتصارات للطلاب والعمال والمتقاعدين"، مشيرًا إلى أن إعلانات رئيس الوزراء تمثل "خطوة في الاتجاه الصحيح قد تجعلنا نفكر في عدم حجب الثقة عن الموازنة".
فاتورة باهظة على الشركات والاقتصاد
أوضحت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية أن تمويل هذه التنازلات سيأتي أساسًا من تمديد ضريبة كانت الحكومة قد وعدت بأنها لمرة واحدة فقط على أكبر الشركات الفرنسية، وهي الضريبة التي جمعت 8 مليارات يورو العام الماضي. فبعد أن أراد تحالف ماكرون الوسطي الوفاء بوعده بعدم تمديد الضريبة، ثم وافق لاحقًا على تخفيضها للنصف بدلًا من إلغائها كليًا، انتصر الاشتراكيون في النهاية وفرضوا الإبقاء على الضريبة كاملة، وإن كان بقائمة مستهدفات أقل، تشمل نحو 300 شركة من الأكبر بدلًا من 450 شركة في العام السابق.
كما نكثت الحكومة بوعد آخر للشركات بعدم خفض ما يسمى "ضرائب الإنتاج"، التي تُفرض على "القيمة" التي تخلقها الشركات في فرنسا وليس على الأرباح أو الإيرادات، وهي ضرائب يعتبرها قطاع الأعمال ضارة بالقدرة التنافسية الفرنسية، وكان ماكرون قد جعل إلغاءها جزءًا محوريًا من أجندته الاقتصادية.
أزمة مالية وسياسية مزمنة
تشير "لوموند" إلى تعثر مفاوضات الموازنة لشهور طويلة بسبب عدم اتفاق الأحزاب السياسية على كيفية البدء في تضييق عجز الموازنة الذي بلغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي نهاية العام الماضي، وتهدف الحكومة لخفضه إلى نحو 5% هذا العام، لكنها لم توضح بالتفصيل كيف ستمول التنازلات الأخيرة.
ونتيجة لعدم التوصل إلى اتفاق على الموازنة، تعمل فرنسا منذ بداية العام على موازنة مرحلة منقولة من 2025 للحفاظ على تدفق الإنفاق العام على كل شيء من المعاشات إلى الدفاع.
وفي رسالة مفتوحة لقادة الأعمال، حذَّر لوكورنو: "فرنسا بحاجة للوضوح والاستقرار، وأي أزمة سياسية جديدة ستضعف بلادنا وتثقل كاهل الاقتصاد والوظائف"، في إشارة واضحة للثمن الباهظ الذي تدفعه البلاد جراء انعدام الاستقرار السياسي.