في خطابه عن حالة الاتحاد العام الماضي، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في الاستيلاء على أكثر من 800 ألف ميل مربع من الأراضي من حليف في حلف الناتو، حيث قال أمام الكونجرس، في مارس الماضي، إن "شعب جرينلاند المذهل" له كل الحق في تحديد مستقبله، وإذا قرر أن هذا المستقبل يكمن داخل الولايات المتحدة، فهذا أفضل بكثير.
وأضاف ترامب: "نحن بحاجة إليها حقًا من أجل الأمن الدولي. بطريقة أو بأخرى، سنحصل عليها".
أبدى الرئيس الأمريكي هذا الطموح بين الحين والآخر منذ عام 2019، وحتى الأسبوع الماضي، كان بإمكان الدنمارك تجاهل احتمال ضم الولايات المتحدة لجرينلاند ووصفه بأنه "أمرٌ عبثي". وفي يوم الاثنين الماضي، وصف رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، هذا الأمر بأنه "خيال متهور".
لكن بعد الإطاحة السريعة برأس النظام في فنزويلا في عملية عسكرية خاطفة يوم السبت الماضي، انتقل السيناريو إلى نطاق الاحتمالات المعقولة، لدرجة أن العواصم الأوروبية تتكهن بشكل محموم بكيفية تطور الأمور. خاصة أن ترامب كرر تأكيده في أعقاب الإطاحة بمادورو، على أن الولايات المتحدة "بشكل مطلق" بحاجة إلى جرينلاند للدفاع عن نفسها، مؤكدًا أن المنطقة المحيطة بالجزيرة القطبية الشمالية تعج بالسفن الروسية والصينية.
وقبل أن تستعرض أربعة سيناريوهات محتملة للاستيلاء الترامبي على جرينلاند، أشارت صحيفة "ذا تايمز" البريطانية إلى أنه قبل الخوض في كيفية تطور الوضع، هناك عوامل مهمة يجب أخذها في الاعتبار، أهمها ما يريده ترامب وإدارته من جرينلاند حقًا.
الغزو
باعتبارها أقوى قوة عسكرية في العالم تواجه هدفًا نائيًا قليل السكان وضعيف الدفاع، فليس هناك شك يُذكر في قدرة الولايات المتحدة على الاستيلاء على جرينلاند بالقوة.
ويتوقع قلة من المحللين أن تُبدي جرينلاند أو حلفاؤها الأوروبيون مقاومة، لا سيما أن ذلك، كما صرّحت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن يوم الاثنين، سيُمثّل "نهاية حلف الناتو". ومع ذلك، فإن احتلال أراضي الحلفاء سيكون اقتراحًا مختلفًا تمامًا عن الغارة السريعة والدقيقة على كاراكاس، من الناحيتين الاستراتيجية والعملياتية.
أجرى عدد من الخبراء محاكاة لتدخل أمريكي محتمل في جرينلاند خلال الأشهر الـ12 الماضية. ورغم أن جميعهم خلصوا إلى أن العملية ستكون من جانب واحد تمامًا، إلا أن بعضهم سلّط الضوء أيضًا على خطر وقوع حوادث محرجة، لا سيما بالنظر إلى المسافات الشاسعة والخبرة المحدودة نسبيًا للقوات الأمريكية في القتال في ظل مثل هذه الظروف الجوية القاسية.
وحتى لو سارت العملية دون أي عوائق، فقد يكون من الصعب على الأمريكيين استغلال جرينلاند بشكل كامل إذا شعرت فئات كبيرة من السكان بالاستياء منهم باعتبارهم قوة احتلال. وقد يضطر الأوروبيون أيضًا إلى قبول الأمر الواقع حفاظًا على وحدة حلف الناتو، ولو ظاهريًا.
الإكراه
يعتقد معظم المحللين أنه إذا كان ترامب مصممًا حقًا على ضم جرينلاند إلى الولايات المتحدة، فسيكون من المرجح أن يفعل ذلك من خلال وسائل أخرى، مستخدمًا التهديد بالتدخل العسكري كورقة مساومة.
هنا، لدى الرئيس الأمريكي العديد من الأدوات المتاحة وأبرزها المال. وقد سبق لأسلافه أن فكروا في تقديم عرض للدنمارك لشراء جرينلاند في ثلاث مناسبات على الأقل، في أعوام 1867 و1910 و1946.
وجادل ترامب بأن الترتيب المالي الحالي، الذي بموجبه ترسل كوبنهاجن إلى نوك "منحة شاملة" سنوية تبلغ نحو 500 مليون جنيه إسترليني، هو "صفقة سيئة" للدنماركيين، ورأى أنهم قد يكونون مستعدين للتخلص من التزام مالي مقابل السعر المناسب. لكنه في الواقع كان مخطئًا، حيث رفضت الدنمارك مبادراته في عام 2019 ولم تُبدِ أي اهتمام بإعادة طرح المسألة.
مع هذا، قد يكون سكان جرينلاند أكثر تقبلًا للإقناع. ففي العام الماضي، وعد ترامب باستثمار "مليارات الدولارات لخلق وظائف جديدة وتحقيق الثراء".
وبالنسبة لإقليم يبلغ عدد سكانه 57 ألف نسمة، ويقل ناتجه المحلي الإجمالي عن 3 مليارات جنيه إسترليني، ويعتمد بشكل كبير على صيد الأسماك والدعم الحكومي من كوبنهاجن، فإن مثل هذه المبالغ قد تُحدث تحولًا جذريًا إذا ما تحققت بالفعل.
التداعي الحر
أمس الثلاثاء، ذكرت مجلة "ذا إيكونوميست" أن المسؤولين الأمريكيين كانوا يعملون على صفقة محتملة، حيث ستوقع جرينلاند "اتفاقية الارتباط الحر" (كوفا) مع الولايات المتحدة.
هذا الخيار مطروح للنقاش في واشنطن منذ فترة، وهو يشبه الترتيبات القائمة بين الولايات المتحدة وبالاو وميكرونيزيا وجزر مارشال. فقد احتفظت هذه الدول الصغيرة الواقعة في جنوب المحيط الهادئ باستقلالها الرسمي، بينما منحت الجيش الأمريكي فعليًا صلاحيات مطلقة على أراضيها مقابل إعفاءات جمركية.
لكن ليس من الواضح تمامًا ما الذي سيجنيه الأمريكيون من هذه الصفقة بخلاف الحرية الكبيرة التي يتمتعون بها بالفعل في جرينلاند، بصرف النظر عن رمزية إغراء سكان جرينلاند للخروج من فلك الدنمارك والدخول في فلك ترامب.
كما سيتطلب ذلك من جرينلاند تحقيق الاستقلال عن الدنمارك، وهو أمر لا يمكن أن يحدث إلا بموافقة البرلمان الدنماركي.
مميزات جديدة
في هذه اللعبة المعقدة من الشطرنج الثلاثي، من الممكن أن تتمكن الدنمارك من الحفاظ على الوضع الراهن إلى حد ما.
ستواصل جرينلاند التقدم ببطء نحو الاستقلال، لكنها ستبقى داخل المملكة الدنماركية في الوقت الحالي، على الرغم من أنها ستلعب ضد الدنماركيين والأمريكيين لتحقيق ميزة تدريجية.
أيضًا، في هذا السيناريو ستكتفي الولايات المتحدة بوجود عسكري معزز وحرية استراتيجية أكبر في الجزيرة، ومجموعة من الصفقات التجارية لاستكشاف الرواسب المعدنية، وربما بعض الرموز الرمزية للسيادة الفعلية، مثل مستشارين لحكومة جرينلاند.
وكما ذكر ترامب نفسه في كتابه "فن الصفقة": أطمح إلى أعلى المستويات، ثم أواصل السعي والمثابرة حتى أحصل على ما أريد. أحيانًا أقبل بأقل ما كنت أطمح إليه. لكن في معظم الحالات، ينتهي بي الأمر بالحصول على ما أريد.