تشهد الساحة السياسية الفرنسية تحولًا لافتًا في العلاقة بين اليمين المتشدد والنخب الاقتصادية، إذ كشفت صحيفة فاينانشال تايمز عن سلسلة لقاءات غير مسبوقة يعقدها قادة حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا ومارين لوبان، مع كبار المستثمرين الدوليين ورؤساء أكبر الشركات الفرنسية، في محاولة لكسر جدار العزلة التقليدي وطمأنة الأوساط المالية مع تزايد احتمالات وصول الحزب للسلطة.
الواقعية السياسية
كثفت قيادات من كبرى الشركات الفرنسية المدرجة في البورصة تواصلها مع التجمع الوطني؛ في خطوة كانت من المحظورات حتى وقت قريب، حسبما تكشف الصحيفة البريطانية.
ووصف أحد كبار أعضاء مجالس الإدارات هذا التواصل بأنه "واجب" للتأثير على قوة سياسية باتت تتصدر الاستطلاعات، مشيرًا إلى أن الحزب "شرعي" بحكم دوره القيادي في اللجان البرلمانية، وأضاف: "سواء أعجبوك أم لا، يستحق الأمر التواصل معهم لضمان أن يكونوا منطقيين".
وفي ديسمبر الماضي، عقد بارديلا لقاءً، لم يُكشف عنه من قبل، مع مجموعة من مستثمري صناديق التحوط ومديري الأصول البريطانيين في باريس، ضمَّت ممثلين من شركات استثمارية بارزة.
وهدفت المناقشات إلى طمأنة حاملي الأصول والديون الفرنسية حول موقف الحزب الاقتصادي، كما أوضح شخص مطلع على اللقاء الذي كان ضِمن يوم من الحوارات مع سياسيين فرنسيين.
وبينما أكد المتحدث باسم الحزب وقوع هذه الاجتماعات، رفضت الشركات المعنية جميعها التعليق.
من جهته، قال جيوم فوري، الرئيس التنفيذي لشركة إيرباص، لإذاعة فرانس إنتر في ديسمبر: "إنهم قوة سياسية مهمة في فرنسا، ونحن لا نختار الأحزاب القوية والمؤثرة".
وأضاف: "عندما يكون لدينا حزب بهذا المستوى من التمثيل، نعم نتحدث إليهم"، مستخدمًا عن غير قصد التسمية القديمة "الجبهة الوطنية" بدلًا من الاسم الجديد "التجمع الوطني".
وهذا الخطأ اللفظي نفسه يعكس مدى نجاح مارين لوبان في تطبيع صورة الحزب منذ توليها قيادته عام 2011، إذ عملت على تلميع سمعته بعدما كان والدها جان ماري لوبان، مؤسس الحزب، منبوذًا بسبب تصريحاته التي وصف فيها غرف الغاز في المحرقة بأنها "تفصيل" في التاريخ، وإدانته بخطاب الكراهية والتمييز، ما دفعها لطرده من الحزب عام 2015.
وسيط بين عالمين متباعدين
يلعب فرانسوا دورفي، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار الباريسي أوتيوم كابيتال، دور همزة الوصل بين الحزب ورجال الأعمال، إذ ينظم اجتماعات بين لوبان وبارديلا وقادة القطاع الاقتصادي منذ 2021.
وقال دورفي للصحيفة إن دافعه "القناعة بأن التبادلات كانت قليلة جدًا بين هذه العائلة السياسية والعالم الاقتصادي"، مضيفاً: "ليفهم الطرفان بعضهما، كان عليهما أن يلتقيا".
وأوضح دورفي أن موجة حديثة من رجال الأعمال "الواقعيين" يسعون لفهم الحزب بشكل أفضل مع تزايد احتمالات وصوله للحكم، مؤكدًا أن معظم رؤساء كبرى الشركات الفرنسية قابلوا قيادة الحزب.
وخلال هذه اللقاءات، يسعى لوبان وبارديلا لفهم مخاوف قطاعات الأعمال وطمأنتهم بأن برنامجهم ليس "معاديًا للرأسمالية"، لكن العديد من قادة الأعمال أكدوا أنهم يظلون غير مقتنعين، حسب الصحيفة.
إحباط من ماكرون
يفسر قادة الأعمال انفتاحهم على التجمع الوطني بالإحباط المتنامي من ماكرون وتوالي الحكومات الضعيفة، حسب الصحيفة، فبعد خفض الضرائب على الشركات والثروات في سنوات رئاسته الأولى، تفككت أجندة ماكرون الموالية للأعمال منذ قراره بالدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة عام 2024.
واضطُر رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو لتعليق إصلاحات المعاشات ضمن مفاوضات موازنة 2026، بينما لجأت حكومات سابقة لضرائب استثنائية على الشركات الكبرى لسد العجز.
وقال عضو بارز آخر في مجالس إدارات كبريات الشركات الفرنسية إن مناقشات الموازنة الجارية "لا تعالج القضايا الأساسية للبلد، بل تُبقينا نسير في الاتجاه الخاطئ"، مضيفًا أنه رغم بقاء برنامج التجمع الوطني "شعبويًا جدًا"، فإن الأوساط الاقتصادية "تستفيق" على أهمية الحزب.