الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

ترامب وأوكرانيا.. واشنطن لم تقطع القنوات الاستخباراتية رغم الضغوط السياسية والعسكرية

  • مشاركة :
post-title
وحدة مدفعية أوكرانية تستعد لإطلاق قذيفة أمريكية الصنع عيار 155 ملم من مدفع "هاوتزر" من طراز M109

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

بينما كان الهدف من تزويد إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لأوكرانيا بترسانة واسعة من الأسلحة المتطوّرة هو صدّ المد الروسي، وربما حتى المساعدة في كسب الحرب، رأى الأمريكيون وحلفاؤهم الأوروبيون والأوكرانيون، الذين اجتمعوا في شراكة سرية في مجالات الاستخبارات والاستراتيجية والتخطيط والتكنولوجيا، أن الأمر لا يقتصر على سيادة أوكرانيا فحسب، بل على مصير النظام الدولي برمّته بعد الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، جاء ترامب ليفكك هذه الشراكة. أحرج الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الهواء مباشرة من المكتب البيضاوي في فبراير، والتقى بوتين في قمة أغسطس في ألاسكا. وحتى الزخم الدبلوماسي المحموم الذي أدى إلى اجتماع مارالاجو يوم الأحد مع زيلينسكي، أحدث مفاوضات بالغة الأهمية ولكنها غير حاسمة، بدا فيها مصير أوكرانيا معلقًا.

وفي تقريرها، تكشف صحيفة "نيويورك تايمز" أن ترامب لم يكن لديه التزام أيديولوجي يُذكر، "فغالبًا ما كانت تصريحاته وقراراته تتأثر بآخر شخص تحدث إليه، وبمدى الاحترام الذي شعر به من القادة الأوكرانيين والروس، وبما لفت انتباهه على قناة فوكس نيوز".

وداخل إدارته، اصطدمت استراتيجية مساعدة كييف بقوة بجماعة من المشككين في أوكرانيا بقيادة نائب الرئيس، جيه دي فانس، ومسؤولين آخرين من ذوي التوجهات المماثلة عيّنهم في البنتاجون وأماكن أخرى في الإدارة.

في رأيهم، بدلاً من تبديد الموارد العسكرية الأمريكية المستنزفة على سفينة تغرق، ينبغي إعادة توجيهها لمواجهة أكبر تهديد عالمي، وهو الصين، كما تشير الصحيفة.

كما اجتاحت رياح باردة، وصفها أحد كبار الضباط العسكريين بأنها "سياسة معادية لأوكرانيا بحكم الأمر الواقع"، أروقة البنتاجون. وقد دأب وزير الحرب بيت هيجسيث ومستشاروه مرارًا وتكرارًا على تقويض أو تهميش أو إسكات الجنرالات ومسؤولي الإدارة المتعاطفين مع أوكرانيا.

لكن في الوقت نفسه، استمرت وكالة المخابرات المركزية (CIA) في مد حبال التعاون مع الأوكرانيين، والتي نتج عنها الكثير من الخسائر الروسية، بينها مصافي النفط وسفن من "أسطول الظل".

دبابة أوكرانية أصيبت بطائرة مسيرة على بعد أميال قليلة من منطقة كورسك في روسيا
تدليل بوتين

كان ترامب متقلبًا في مواقفه اليومية، لكنه ظلّ صانع صفقات مصممًا على إبرام صفقة، ومقتنعًا بأن الأفضلية، وفقًا لحسابات النفوذ، للطرف الأقوى.

تشير "نيويورك تايمز" إلى أنه في الوقت الذي مارس فيه ترامب ضغوطًا على زيلينسكي، بدا وكأنه يُدلل بوتين. فعندما عرقلت روسيا مقترحات السلام وكثفت حملات القصف على المدن الأوكرانية، كان ترامب يهاجمهم على منصة Truth Social، ويسأل مساعديه: هل نفرض عقوبات على بنوكهم أم على بنيتهم التحتية للطاقة؟ ولكنه لأشهر، لم يفعل أيًا منهما.

لكن سرًا، قامت وكالة المخابرات المركزية (CIA) والجيش الأمريكي، بمباركة الرئيس، بتعزيز حملة أوكرانية من ضربات المسيّرات على منشآت وناقلات النفط الروسية.

وأوضح التقرير أنه في الواقع، خاض كلا من الروس والأوكرانيين حربًا داخل الحرب لتشكيل تصورات الرئيس الأمريكي. فبعد مشاهدة لقطات لعرض عسكري في موسكو في مايو، قال ترامب لمساعديه: "يبدون لا يُقهرون". لكن بعد ثلاثة أسابيع، وبعد أن شنت أوكرانيا عملية سرية جريئة بالمسيّرات داخل روسيا، أرسل زيلينسكي موكبًا من مساعديه إلى البيت الأبيض برسالة نصر: "لسنا خاسرين، بل نحن منتصرون".

لكن في ساحة المعركة وعلى طاولة المفاوضات، استمر ترامب في الضغط على الأوكرانيين أكثر فأكثر، وما استهان به هو رفض الزعيم الروسي التنازل عن مطالبه.

تقول "نيويورك تايمز": كانت نقطة انطلاق هذه القصة إيمان الرئيس بما اعتبره صلة شخصية تربطه ببوتين. فخلال حملته الانتخابية، وعد بالتوسط للسلام سريعًا، ربما حتى قبل توليه منصبه. وبعد فوزه بالانتخابات، بدأ قادة أوروبيون وشرق أوسطيون بالاتصال به، عارضين المساعدة في تمهيد الطريق للمحادثات مع الروس خلال الفترة الانتقالية.

تعاون استخباراتي

كانت الشراكة تتفكك من نواحٍ عديدة. لكن كانت هناك رواية مضادة، تم سردها في الغالب سرًا. وكان في قلبها وكالة المخابرات المركزية. ففي حين همّش وزير الحرب بيت هيجسيث جنرالاته الداعمين لأوكرانيا، حرص مدير وكالة المخابرات المركزية، جون راتكليف، على حماية جهود ضباطه في أوكرانيا، وحافظ على وجود الوكالة في البلاد بكامل قوتها، بل وزاد تمويل برامجها هناك.

وعندما أمر ترامب بتجميد المساعدات في مارس، سارع الجيش الأمريكي إلى وقف جميع عمليات تبادل المعلومات الاستخباراتية. ولكن عندما شرح راتكليف المخاطر التي تواجه ضباط وكالة المخابرات المركزية في أوكرانيا، سمح البيت الأبيض للوكالة بمواصلة تبادل المعلومات الاستخباراتية حول التهديدات الروسية داخل أوكرانيا.

هكذا، قامت الوكالة بصقل خطة لكسب الوقت على الأقل، لجعل الأمر أكثر صعوبة على الروس للاستفادة من لحظة الضعف الاستثنائية للأوكرانيين.

تقول الصحيفة: "كانت إحدى الأدوات الفعالة التي استخدمتها إدارة بايدن، وهي تزويد أنظمة الدفاع الجوي الروسية (ATACMS) ومعلومات الاستهداف لضربات داخل روسيا، قد تم سحبها فعليًا من التداول. لكن سلاحًا موازيًا ظل قائمًا، وهو السماح لضباط وكالة المخابرات المركزية والجيش بتبادل معلومات الاستهداف، وتقديم مساعدات أخرى لضربات الطائرات المسيّرة الأوكرانية ضد مكونات حيوية من القاعدة الصناعية الدفاعية الروسية".

في الأشهر الأولى من إدارة ترامب، كانت هذه الضربات متفرقة وذات تأثير ضئيل. وتنافست الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأوكرانية، مستخدمةً قوائم أهداف مختلفة. وجعلت الدفاعات الجوية الروسية وأجهزة التشويش الكهرومغناطيسي المنشآت النفطية شبه منيعة. وفي مصافي النفط، كانت الطائرات المسيّرة تصطدم بخزانات التخزين، مسببةً انفجارات تصدرت عناوين الأخبار، لكنها لم تحقق سوى القليل.

وفي يونيو، اجتمع عسكريون أمريكيون مع نظرائهم في وكالة المخابرات المركزية للمساعدة في صياغة حملة أوكرانية أكثر تنسيقًا: "ستركز الحملة حصريًا على مصافي النفط، وبدلًا من استهداف خزانات الإمداد، ستستهدف نقطة ضعفها الرئيسية".

ومع بدء ظهور نتائج الحملة، ناقش راتكليف الأمر مع ترامب. وبدا أن الرئيس يستمع إليه؛ إذ كانا يلتقيان بانتظام للعب الجولف أيام الأحد. ووفقًا لمسؤولين أمريكيين، أشاد ترامب بالدور الأمريكي الخفي في هذه الضربات التي وُجهت لقطاع الطاقة الروسي، وقال إن هذه الضربات "منحته القدرة على الإنكار والنفوذ، بينما استمر الرئيس الروسي في تملقه".

وتُكلّف ضربات الطاقة الاقتصاد الروسي ما يصل إلى 75 مليون دولار يوميًا، وفقًا لتقديرات الاستخبارات الأمريكية. كما يُصرّح لوكالة المخابرات المركزية بالمساعدة في غارات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على سفن "أسطول الظل" في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط.