"كل يوم يمر يجلب مستويات صادمة من العنف والدمار، معاناة هائلة لا تُوصف، دون أي أفق لنهاية هذه المعاناة".. هكذا وصفت الأمم المتحدة ما حدث في السودان على مدار عام 2025، حيث تصاعد القتال وتدهورت الأوضاع بصورة متسارعة، جلبت معها أضرارًا جسيمة للمدنيين.
كانت ميليشيا الدعم السريع أحد أهم الأسباب التي جلبت المآسي إلى السودان خلال العام الذي أوشك على الانتهاء، إذ كشفت التقارير الأممية عن ارتكاب عناصرها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، خاصة في مدينة الفاشر التي شهدت عمليات قتل جماعي وعنف جنسي.
سقوط الفاشر
في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، تقدّر المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 9.3 مليون شخص لا يزالون نازحين داخليًا، إلى جانب أكثر من 3 ملايين عائد في تسع ولايات، أكثر من نصفهم من الأطفال، وتبين أن ما يقرب من ثلث العائلات النازحة وخُمس الأسر العائدة قضت يومًا وليلة كاملين دون طعام.
كانت الفاشر أبرز المدن التي شهدت فظائع، وذلك عقب سقوطها بيد الدعم السريع في أواخر أكتوبر بعد حصار استمر لأكثر من 500 يوم، ما دفع أكثر من 100 ألف شخص إلى الفرار، معظمهم من النساء والأطفال، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة معركة شاقة لإعادة لمّ شمل أسرهم الممزقة.
ومثَّل سقوط الفاشر نقطة تحوّل في الحرب السودانية الدائرة منذ عامين ونصف العام بين الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان (رئيس مجلس السيادة السوداني)، إذ ترتبط أهمية المدينة عسكريًا وإستراتيجيًا بكونها العاصمة التاريخية لدارفور، وهي آخر مركز رئيسي للجيش السوداني في الإقليم.
ووفقًا للأمم المتحدة، فرَّ أكثر من مليون شخص من الفاشر منذ بداية الحرب، إما بحثًا عن الأمان في ضواحي المدينة أو متجهين إلى طويلة على بُعد 45 ميلًا إلى الغرب، بينما لا يزال نحو 260 ألف مدني، نصفهم من الأطفال، عالقين دون أي مساعدة، ولجأ كثيرون منهم إلى أكل علف الماشية.
قتل واغتصاب جماعي
أما دارفور، فكشف تقرير صادم تابع لمكتب حقوق الإنسان عن انتشار عمليات قتل واغتصاب وأنواع أخرى من العنف الجنسي والتعذيب والاختطاف، تم ارتكابها بصورة واسعة النطاق، خلال الهجوم شنَّته قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين لمدة 3 أيام متواصلة.
وذكر التقرير أن ما لا يقل عن 1013 مدنيًا قُتلوا خلال الهجوم، بالإضافة إلى إعدام أكثر من 300، قُتل بعضهم إما أثناء الفرار أو داخل منازلهم خلال عمليات التفتيش التي نفذها عناصر الدعم السريع، وهو ما أدى إلى نزوح أكثر من 400 ألف من سكان المخيم.
وفي منطقة كردفان، كان هناك أكثر من 50 ألف نزحوا منذ 25 أكتوبر الماضي، بسبب الاشتباكات العنيفة في جميع أنحاء المنطقة، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال، في رحلات استمرت لأكثر من أسبوع، متوقعين أن ينزح ما بين 90 و100 ألف شخص من المنطقة، إذا استمر القتال على ذلك النحو.
فظائع الدعم السريع
ووصف تقرير الأمم المتحدة القتل المتعمد للمدنيين أو الأشخاص غير المشاركين في القتال والاغتصاب الجماعي والاسترقاق الجنسي، يعتبر نمط ثابت من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ، ويتم ارتكاب تلك المجازر عمدًا بهدف بث الرعب في نفوس السكان.
ومن أبرز الكوارث التي نفذتها "الدعم السريع"، فرض حصار قاسٍ على السكان ومنع دخول جميع المواد الغذائية والمياه والوقود وغيرها من السلع الأساسية التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، وشن هجمات ممنهجة على كل من حاول إدخال الإمدادات.
كما ارتكبت ميليشيا الدعم السريع فظائع واسعة النطاق، بما في ذلك القتل والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتعذيب والتهجير القسري والاضطهاد العرقي الذي يستهدف المجتمعات غير العربية، والتجويع كأسلوب حرب، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
مبادرات ودعوات السلام
من أجل إنهاء الحرب الكابوسية، التي مر عليها ما يقرب من ألف يوم، طالبت الأمم المتحدة العالم بضرورة المضي قدمًا في جهود متجددة لوقف القتال، ووقف تدفقات الأسلحة التي تغذي الصراع، ودفع الأطراف نحو وقف إطلاق نار شامل ودائم على مستوى البلاد.
كما طالبت مجلس الأمن الدولي بأن يوجه رسالة قوية مفادها أن الهجمات الموجهة ضد المدنيين، والهجمات العشوائية، والعنف الجنسي، والانتهاكات الصارخة الأخرى لأبسط مبادئ القانون الدولي الإنساني لن يتم التسامح معها، وتمكين العاملين في المجال الإنساني من القيام بدورهم.
وعرض رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، مبادرة أطلق عليها اسم "مبادرة حكومة السودان للسلام"، والتي تركز على المبادئ الدولية، وتقدم إطارًا واقعيًا وقابلًا للتطبيق وشاملًا لحماية المدنيين من الفظائع، واستعادة سلطة الدولة ومسؤوليتها، وفتح الباب أمام المصالحة الوطنية.
وأكد أن المبادرة نابعة من الداخل، وليست مفروضة عليهم، تتضمن بنودها وقف إطلاق النار وتجميع مقاتلي الميليشيات في معسكرات محددة ونزع السلاح، فضلًا عما يتعلق بالنازحين واللاجئين والمساعدات الإنسانية، وذلك من أجل إنهاء ما وصفه بحلقة العنف التي عانى منها السودان لعقود.