منذ بدايات الزراعة قبل نحو عشرة آلاف عام، اعتمد الإنسان على الانتقاء البطيء للنباتات، محتفظًا ببذور المحاصيل الأكثر إنتاجًا والأفضل طعمًا والأكثر قدرة على التكيف مع المناخ. وبهذه الطريقة التدريجية تشكّلت معظم الفواكه والخضراوات التي نعرفها اليوم، بعد قرون طويلة من التحسين الوراثي الطبيعي.
غير أن باحثين في مختبر كولد سبرينج هاربور (CSHL) بالولايات المتحدة يعملون اليوم على قلب هذه المعادلة، عبر تسريع عملية الاستئناس باستخدام تقنية كريسبر لتحرير الجينات، مستهدفين فاكهة برية صغيرة تُعرف علميًا باسم Physalis peruviana أو التوت الذهبي، وهي فاكهة ليست غريبة عن المنطقة العربية، وتحديدًا مصر، التي تُعد من أوائل الدول التي عرفت هذا النبات وتناوله شعبها على نطاق واسع منذ عقود.
وتشير نتائج أبحاثهم إلى أن هذه التقنية قد تفتح الباب أمام زراعة التوت الذهبي على نطاق واسع، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في مناطق متعددة من العالم، مع إمكانية تطوير محاصيل أكثر مقاومة للأمراض والآفات والتغيرات المناخية المتطرفة، في وقت يتزايد فيه الضغط على الأنظمة الغذائية عالميًا.
زراعة أكثر استدامة
يقول بلين فيتزجيرالد، فني الصوبات الزراعية في مختبر زاكاري ليبمان التابع لـCSHL : "باستخدام تقنية كريسبر، نخلق فرصًا جديدة لإنتاج غذاء أكثر استدامة. ومع تغير المناخ وتزايد عدد السكان، تصبح الابتكارات الزراعية ضرورة لا خيارًا".
محصول قابل للتسويق
يركّز مختبر ليبمان على دراسة نباتات الفصيلة الباذنجانية، التي تضم محاصيل رئيسية مثل الطماطم والبطاطس والباذنجان، إلى جانب أنواع أقل شهرة مثل التوت الذهبي. ورغم شعبيته المتنامية عالميًا، وقبل أن يدخل دوائر البحث العلمي المتقدم، كان هذا النبات حاضرًا بالفعل في الحياة اليومية للمصريين، حيث يُباع في الأسواق الشعبية ويُستهلك كفاكهة موسمية.
ويؤكد الباحث ميجيل سانتو دومينجو مارتينيز، قائد الدراسة، أن النباتات الحالية "كبيرة الحجم ومتفرعة بشكل مفرط"، ما يجعل حصادها مكلفًا ومعقدًا. ويضيف فيتزجيرالد أن هذه الطبيعة المتشعبة تمثل عبئًا حقيقيًا في البيئات الزراعية الحديثة.
تعديل الجينات
بناءً على تجارب سابقة نجح فيها المختبر باستخدام كريسبر لتعديل الطماطم ونبات "الكرز الأرضي"، استهدف الباحثون جينات مماثلة في التوت الذهبي. وكانت النتيجة نباتات أقصر بنسبة تصل إلى 35%، وأكثر ملاءمة للزراعة الكثيفة وأسهل في الصيانة.
وفي مرحلة لاحقة، ركّز الفريق على تحسين الطعم، عبر تقييم مئات الثمار ميدانيًا، وصولًا إلى اختيار أفضل السلالات. وبعد عدة أجيال من التهجين، توصّل الباحثون إلى سلالتين واعدتين وجاهزتين للإنتاج، مع خطط مستقبلية لاستخدام كريسبر في تحسين حجم الثمار وزيادة مقاومتها للأمراض.
ويقول سانتو دومينجو: "نملك اليوم أدوات تمكّننا من استئناس محاصيل مهملة بسرعة غير مسبوقة".
الحرنكش المصري
في مصر، تُعرف فاكهة التوت الذهبي شعبيًا باسم الحرنكش، وهي من الفواكه التي ارتبطت بالأسواق الشعبية والمواسم الزراعية، ويتناولها المصريون بكثرة طازجة أو ضمن الحلويات. وينتمي الحرنكش إلى النوع العلمي نفسه للتوت الذهبي، ويتميز بغلافه الورقي الرقيق وطعمه المتوازن بين الحلاوة والحموضة، ما جعله مألوفًا في الثقافة الغذائية المحلية قبل أن يلفت أنظار العلماء عالميًا.
فوائد التوت الذهبي
يُعد الحرنكش مصدرًا غنيًا بفيتامين C ومضادات الأكسدة، ويساهم في دعم جهاز المناعة، كما يحتوي على مركبات فينولية تساعد في تقليل الالتهابات. وتشير دراسات غذائية إلى دوره المحتمل في تحسين صحة القلب وتنظيم مستويات السكر في الدم، إضافة إلى احتوائه على ألياف غذائية تدعم الهضم.
الطريق نحو الأسواق العالمية
يسعى الفريق البحثي حاليًا للحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة، بما يسمح بتوفير البذور المعدلة وراثيًا للمزارعين وبدء الإنتاج التجاري للأصناف الجديدة، في خطوة قد تعيد تعريف مستقبل هذه الفاكهة عالميًا، وتحول ما كان يُعد فاكهة شعبية محلية إلى محصول استراتيجي عالمي