عندما قالت سوزي وايلز رئيسة موظفي البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "يمتلك شخصية مدمن كحول"، كانت تتحدث عن شخصيته الجذابة واللافتة للنظر، وليس عن استهلاكه للمشروبات الروحية التي لا يقربها بحسب جميع التقارير. لكن مع ذلك قد يكون هذا الوصف مناسبًا من بعض النواحي لرئيس يبدو أقل تحفظًا من أي وقت مضى، لدرجة أن الكثيرين في واشنطن وخارجها يهزون رؤوسهم استنكارًا، بل ويتساءلون عمّا إذا كان زعيم العالم الحر فقد صوابه.
أمّا الكلمة التي كثيرًا ما يهمس بها الجمهوريون ويصرخ بها الديمقراطيون ومعارضو ترامب هي "مختل عقليًا"، كما يشير تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز".
بدا ذلك السلوك جليًا عندما وصف ترامب صحفيًا بـ"الخنزير"، أو عندما هدد باستخفاف بإعدام ستة أعضاء في الكونجرس لمجرد ذكرهم قوانين الحرب بدقة، أو عندما وصف المهاجرين الصوماليين بـ"القمامة"، وحتى عندما أعلن أن التشكيك في مستوى طاقته البدنية في سن التاسعة والسبعين "عمل تحريضي، وربما خيانة عظمى".
لكن عندما هاجم ترامب باستخفاف أيقونة هوليوود روب راينر بعد ساعات فقط من العثور على جثته في مسرح جريمة بشعة، أثار ذلك اشمئزاز حتى بعض حلفائه السياسيين.
وهذا الأسبوع، أضاف ترامب سلسلة من اللوحات أسفل صور الرؤساء السابقين على جدار الرواق في البيت الأبيض، والتي تضمنت انتقادات لاذعة لبعض أسلافه. في الواقع خلَّد بعض منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتلفت "نيويورك تايمز" إلى أن ترامب "لم يُطمْئِن منتقديه بعد خطابه المتلفز الذي وجّهه للأمة في وقت الذروة مساء الأربعاء، والذي اتسم بتشويه الحقائق والتحيز الحزبي الشديد، إذ بدا وكأنه يحاول إقناع الشعب الأمريكي بأن البلاد في وضع أفضل مما تُظهره استطلاعات الرأي".
شخصية المدمن
يشير التحليل إلى أنه "لطالما كانت الخطابات النارية والغضب والإهانة جزءًا لا يتجزأ من شخصية ترامب الاستثنائية، وهي عنصر أساسي في جاذبيته لدى مؤيديه الذين يجدون فيها أصالةً لافتةً في عالمٍ يهيمن عليه السياسيون النمطيون الذين يقتبسون من عبارات جاهزة".
وأكد أن مؤيدي الرئيس "يعشقون أسلوبه القيادي الذي يُشبه أسلوب المصارعة الحرة، فهو يقول الحقيقة كما هي، ولا يخشى المواجهة، ويُسقط النخب والليبراليين المستنيرين".
لذا، ربما تعكس رئاسة ترامب الثانية "حقبة أكثر فظاظة في تاريخ الحياة الأمريكية"، إذ لا يكفي ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، بل يحرص ترامب وإدارته على نشر مقاطع فيديو وصور مهينة لهم في أثناء اعتقالهم أو سجنهم، كما نشر صورًا مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي للرئيس السابق باراك أوباما في أثناء اعتقاله، وصورًا له كطيار عسكري يقذف المتظاهرين المناهضين بالبراز.
وعندما نشرت مجلة "فانيتي فير" المقابلة الصادمة مع سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض، والتي قالت خلالها تشبيه "شخصية المدمن على الكحول"، فإنها لم تقصد بذلك انتقادًا، بل وسيلة لفهم سلوك الرئيس غير المتوقع، والمتعطش للشهرة، وغير المنضبط، وقارنته بوالدها بات سومرال لاعب كرة القدم والمعلق الرياضي، الذي كان أبًا غائبًا ومدمنًا على الكحول.
قالت: "إنّ شخصيات مدمني الكحول ذوي الأداء الوظيفي العالي، أو مدمني الكحول عمومًا، تتضخم عند شربهم الكحول، ولذا فأنا خبيرة نوعًا ما في الشخصيات القوية".
وأضافت أن "شخصية ترامب المدمنة على الكحول تعني أنه يتصرف بعقلية أنه لا يوجد شيء لا يستطيع فعله.. لا شيء، صفر، لا شيء".
في الوقت نفسه، لم يستاء ترامب من هذا الوصف، بل رحّب به. قال لصحيفة "نيويورك بوست": "قلت ذلك مرارًا وتكرارًا عن نفسي.. أنا محظوظ لأني لستُ من مُدمني الكحول.. لو كنتُ كذلك، لربما أصبحتُ كذلك، لأني قلتُ ذلك من قبل.. ما الكلمة المناسبة؟ ليس تملكيًا، بل شخصية تملكية وإدمانية.. أوه، قلتُ ذلك مرارًا وتكرارًا".
إعادة التسمية
في الأسابيع الأخيرة، نفى ترامب بشدة وجود أي مشكلات إدراكية لديه، قائلًا إنه خضع لثلاثة اختبارات لقياس قدراته العقلية، بما في ذلك اختبار حديث، وكتب على الإنترنت: "اجتزت الاختبارات الثلاثة جميعها بتفوق أمام عدد كبير من الأطباء والخبراء، معظمهم لا أعرفهم.. وقِيل لي إن قلة من الناس تمكنوا من اجتياز هذا الاختبار بتفوق".
لكن، تلفت "نيويورك تايمز" إلى أن النرجسية -التي اعترف بها ترامب سابقًا- هي مرض آخر لا يختلف عن إدمان الكحول، إذ كتب الرئيس الجمهوري في أحد كتبه: "قد تكون النرجسية صفة مفيدة إذا كنت تحاول بدء مشروع تجاري.. فالنرجسيّ لا يصغي إلى المنتقدين".
وبينما لا يُطلق الرؤساء أسماءهم على الأشياء كما يفعل مطورو العقارات، انشغل ترامب مؤخرًا بتسمية أشياء كثيرة.
وأعلن البيت الأبيض تغيير اسم مركز "جون إف. كينيدي للفنون الأدائية" إلى مركز "ترامب-كينيدي"، كما أعُيدت تسمية "معهد السلام" ليصبح معهد "دونالد جيه. ترامب للسلام"، كما تم الإعلان أن يوم ميلاد ترامب، الذي يصادف "يوم العلم"، سيكون عطلة دخول مجانية في المتنزهات الوطنية العام المقبل، بينما يُلغى الدخول المجاني في يوم "مارتن لوثر كينج جونيور".
وستحمل بطاقات الدخول السنوية للمتنزهات في عام 2026 صورة ترامب إلى جانب صورة جورج واشنطن. كما تدرس وزارة الخزانة الأمريكية إصدار عملات تذكارية تحمل اسم ترامب بمناسبة الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال العام المقبل.
أيضًا، أُطلق على حسابات الاستثمار الفيدرالية الجديدة للأطفال التي أُنشئت هذا العام اسم "حسابات ترامب"، وفي خطابه مساء الأربعاء، روّج ترامب لموقع إلكتروني حكومي جديد يُدعى TrumpRx لمساعدة الأمريكيين في الحصول على أدوية موصوفة بأسعار أقل.
وبالطبع، لا يشكّ أحد في أن ترامب قد يُسمّي قاعة الاحتفالات الضخمة الجديدة في البيت الأبيض التي يُشيّدها باسمه، بل إنه اقترح أن يُسمّي فريق "واشنطن كوماندوز" ملعبه الجديد باسمه.
ويشير التحليل إلى أنه "لم يسبق لأي رئيس آخر أن فعل ذلك أثناء توليه منصبه.. كان كينيدي توفي عندما سُمّي المركز الفني باسمه. وكذلك كان الحال مع واشنطن وتوماس جيفرسون وأبراهام لينكولن عندما شُيّدت لهم النصب التذكارية في العاصمة، أما رونالد ريجان، فقد كان قد مضى على انتهاء ولايته قرابة عقد من الزمن عندما أطلق الكونجرس والرئيس بيل كلينتون اسمه على مطار واشنطن الوطني".