في خضم الطفرة المتسارعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تواصل شركات التكنولوجيا الأمريكية ضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات لتوفير قدرات الحوسبة الهائلة التي يتطلبها هذا القطاع. غير أن هذه الطموحات تصطدم بعقبة غير متوقعة وهي نقص الكهرباء، وتحديدًا العجز في البنية التحتية للشبكة الكهربائية، وفي مقدمتها محولات الطاقة والعمالة المتخصصة اللازمة لإنتاجها.
بحسب التقرير الذي نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فإن أحد أبرز اختناقات تطور الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة لا يعود إلى الرقائق أو البرمجيات، بل إلى نقص عمال لفّ الأسلاك، وهم عنصر أساسي في تصنيع محولات الكهرباء العملاقة. فمع الارتفاع الحاد في الطلب على الطاقة خلال السنوات الأخيرة، تراكمت طلبات شراء المحولات لدى المصانع الأمريكية، في وقت تعاني فيه البلاد نقصًا حادًا في العمالة الماهرة القادرة على إنجاز هذا العمل الدقيق.
وفي مصنع شركة "هيتاشي إنرجي" بمدينة ساوث بوسطن في ولاية فرجينيا، يعمل العمال على لف الأسلاك حول أسطوانات ضخمة تشكل القلب النابض لمحولات الكهرباء. وتستغرق صناعة محول واحد من أربعة إلى ستة أسابيع، لكن الطلب المتزايد دفع قوائم الانتظار إلى الامتداد لسنوات مقبلة.
وتعد المحولات عنصرًا لا غنى عنه في أي توسع للشبكة الكهربائية، إذ تستخدم لرفع الجهد عند نقل الكهرباء من محطات التوليد، أو خفضه لتغذية المدن والمصانع ومراكز البيانات. ومع كل مصدر طاقة جديد أو مستهلك ضخم، مثل مراكز البيانات، تبرز الحاجة إلى محولات إضافية.
وبحسب شركة الأبحاث "وود ماكنزي"، أدى ازدهار الذكاء الاصطناعي إلى فجوة كبيرة بين العرض والطلب، إذ تجاوز عدد الطلبات على المحولات الكبيرة هذا العام حجم المعروض بنحو 14 ألف وحدة. ودفع ذلك "هيتاشي إنرجي" إلى تشغيل مصنعها بنظام ثلاث ورديات يوميا، إلى جانب استثمار نحو 457 مليون دولار لتوسيع طاقتها الإنتاجية.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في نقص العمالة الماهرة. فتعلم مهنة لف الأسلاك يحتاج من ثلاث إلى خمس سنوات، ولا يمكن أتمتتها بالكامل. ويؤكد العاملون أن هذه الحرفة تتطلب دقة عالية وخبرة طويلة، ما يجعل استبدالها بالآلات أمرًا بالغ الصعوبة. وأصبح هذا النقص، إلى جانب شح بعض المواد الخاصة، أحد أبرز معوقات توسيع شبكة الكهرباء الأمريكية.
ولا يقتصر العجز على المحولات الكبيرة فحسب، إذ تشير التقديرات إلى أن نقص محولات التوزيع الأصغر قد يصل هذا العام إلى 123 ألف وحدة. هذه المحولات، التي تُركب على الأعمدة وفي الأحياء السكنية، يمكن إنتاجها جزئيا بالآلات، لكنها لا تزال بحاجة إلى تدخل بشري واسع.
المفارقة أن الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة ظل شبه ثابت لعقود قبل عام 2020، ما أفقد الشركات المصنعة الحافز على التوسع. أما اليوم، فبات نحو 80% من المحولات الكبيرة و50% من محولات التوزيع يعتمد على الاستيراد، في ظل عجز الصناعة المحلية عن تلبية الطلب المتسارع.
وتشير توقعات شركة ICF إلى أن الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة قد يرتفع بنحو 25% بين عامي 2023 و2030، مدفوعًا بنمو مراكز البيانات والصناعة. كما تتوقع وزارة الطاقة الأمريكية أن تمثل مراكز البيانات نحو 12% من إجمالي استهلاك الكهرباء بحلول عام 2028.
في المقابل، تبرز آثار هذا العجز بوضوح على أرض الواقع. فقد كشفت تقارير عن مراكز بيانات في كاليفورنيا ظلت فارغة لسنوات بسبب عدم توفر الكهرباء. ويؤكد مطورون أن الانتظار ثلاث سنوات للحصول على طاقة إضافية بات أمرًا شائعًا في العديد من الولايات.