اكتشف علماء الفلك، الذين يحللون البيانات من تلسكوب جيمس ويب الفضائي، أول دليل مباشر على وجود نجوم من النوع الثالث -أقدم العمالقة النجمية في الكون- بالمجرة البعيدة GS 3073، ما قد يحل لغزًا كونيًا استمر عقدين من الزمن حول كيفية تشكل الثقوب السوداء فائقة الكتلة بهذه السرعة بعد الانفجار العظيم.
وبالاعتماد على بيانات تلسكوب جيمس ويب الفضائي، ركزت الدراسة على مجرة GS 3073، تظهر كما كانت قبل نحو 1.1 مليار سنة فقط من الانفجار العظيم. ولاحظ الباحثون تركيبًا كيميائيًا غير مألوف في المجرة، يتمثل في ارتفاع استثنائي لنسبة النيتروجين إلى الأكسجين، وهو ما لا يمكن تفسيره بوجود أي نوع معروف من النجوم أو بقايا انفجاراتها.
وتطرح الدراسة نظرية تفيد بوجود جيل أول من النجوم الهائلة، التي اختفت تمامًا في الزمن الحاضر، إذ تصل كتلتها إلى ما يقارب 10 آلاف ضعف كتلة الشمس. ويرى العلماء أن هذه النجوم، التي أطلقوا عليها وصف "النجوم الديناصورية"، نظرًا لضخامتها وظهورها في العصور الكونية المبكرة، تُمثل المصدر الوحيد القادر على إنتاج الكميات الكبيرة من النيتروجين، التي تم رصدها في مجرة GS 3073.
ويوضح الباحثون أن هذه النجوم كانت تحرق الهيليوم في نواتها لإنتاج الكربون، الذي ينتقل إلى الطبقات الخارجية للنجم ليتفاعل مع الهيدروجين، مولدًا كميات هائلة من النيتروجين. ومع اشتداد الرياح النجمية، كانت هذه العناصر تُقذف إلى الفضاء المحيط، ما يؤدي إلى إثراء الوسط بين النجمي داخل المجرة.
ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية خاصة، لأنه يُقدم تفسيرًا محتملًا للكيفية، التي تشكلت بها الثقوب السوداء فائقة الكتلة في وقت مبكر جدًا من عمر الكون. وتشير النظرية إلى أن هذه النجوم العملاقة، بعد نفاد وقودها النووي، انهارت مباشرة إلى ثقوب سوداء من دون أن تنفجر كمستعرات عظمى، الأمر الذي سمح لها بالاحتفاظ بكتلتها الهائلة.
وبحسب الدراسة، فإن هذه الثقوب السوداء الأوليّة، التي تصل كتلها آلاف أضعاف كتلة الشمس، شكلت بذورًا مثالية نمت لاحقًا لتصبح الثقوب السوداء العملاقة، التي ترصد اليوم في مراكز المجرات.
وفي السياق ذاته، أشار العلماء إلى رصد ثقب أسود فائق الكتلة في قلب المجرة GS 3073 نفسها، مرجحين أن يكون ناتجًا عن اندماج عدة ثقوب سوداء تشكلت من انهيار تلك النجوم فائقة الكتلة.
ويعد هذا الرصد أول دليل مباشر على وجود هذا الجيل الخاص من النجوم العملاقة في بدايات الكون، بعد أن ظل وجودها محصورًا في إطار النظريات العلمية لعقود دون إثبات ملموس.
ويخطط الباحثون في المرحلة المقبلة للبحث عن مجرات أخرى في الكون المبكر تمتلك تركيبًا كيميائيًا مشابهًا، بهدف تأكيد هذه النتائج والتوصل إلى فهم أدق لكيفية تشكل البذور الأولى للثقوب السوداء العملاقة، التي تحتل اليوم مراكز معظم المجرات.