شهدت الفلبين موجة احتجاجات غير مسبوقة، بعدما انفجرت واحدة من أسوأ قضايا الفساد في تاريخ البلاد، تتعلق باختفاء مليارات البيزوات المخصصة لمشروعات مكافحة الفيضانات.
ومع اتساع رقعة الغضب الشعبي، يواجه الرئيس فرديناند ماركوس الابن أسئلة مصيرية حول مستقبله السياسي، وسط مخاوف من أن تعيد الأزمة الحالية تكرار سيناريوهات أطاحت بوالده ماركوس الأب.
احتجاجات عارمة
خرج آلاف المتظاهرين إلى شوارع مانيلا وعدد من المدن الأخرى اليوم الأحد، وهو يوم "البطل الوطني" وذكرى ميلاد قائد الثورة الفلبينية أندريس بونيفاسيو، مطالبين بـ"سجن المتورطين الآن".
وبحسب الشرطة الفلبينية، نُشِر أكثر من 17 ألف عنصر أمني لاحتواء الاحتجاجات، فيما قُدِّر عدد المتظاهرين في متنزه لونيته بمانيلا بنحو 3 آلاف شخص. ولوَّح بعض المحتجين بأقنعة على شكل تماسيح في إشارة إلى الفساد المستشري.
صدمة وطنية
وتتعلق القضية التي أشعلت الشارع بما أصبح يعرف إعلاميًا بـ"مشروع الفيضانات الوهمية"، ووفقًا لتقارير حكومية ورسائل إعلامية، تبيَّن أن 70% من أموال مشروعات مكافحة الفيضانات فُقِدت بسبب الفساد، ما كلف الاقتصاد نحو 120 مليار بيزو خلال عامين.
ويتزامن ذلك مع تعرض البلاد لسلسلة أعاصير وفيضانات مدمرة، جعلت من فشل مشروعات الحماية أمرًا يهدد حياة ملايين السكان.
وأعلنت الحكومة الأسبوع الماضي اعتقال 8 مسؤولين في وزارة الأشغال العامة والطرق، مع وعد رئاسي بأن "شخصيات كبيرة ستسقط قريبًا". لكن الشارع لا يثق بهذه الوعود، خصوصًا في بلد لطالما أفلت فيه كبار المسؤولين من العقاب.
ويواجه الرئيس ماركوس الابن، الذي جاء إلى السلطة عام 2022 محمولًا على آمال التغيير، اليوم، انهيارًا سريعًا في الثقة. فبحسب تحليل للكاتبة كارشما فاسواني في شبكة "بلومبرج"، أدت سلسلة الفضائح والفشل الإداري إلى تقويض صورة ماركوس الذي روج خلال حملته لمرحلة "ازدهار" مزعومة في عهد والده.
وتشهد البلاد في الوقت الحالي واقعًا أكثر قتامة نظرًا لانكماش نمو الناتج المحلي إلى 4% في الربع الثالث، وهو أدنى مستوى منذ 2021، وتراجع ثقة المستهلكين وهبوط الإنفاق الأسري لأدنى مستوى في أربع سنوات، فضلًا عن تدهور العملة الوطنية، ما يزيد كلفة الديون والواردات.
وتحذر "بلومبرج" من أن استمرار الأزمة سيضعف قدرة الفلبين على لعب دور فعّال في الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة الصين إقليميًا، وسط قلق متزايد في واشنطن وشركاء مانيلا الآسيويين.
اتهامات للعائلة الحاكمة
وازدادت الأزمة السياسية تعقيدًا بعد ظهور اتهامات خطيرة ضد دوائر مقربة من الرئيس، إذ تقدم زادي كو، الرئيس السابق للجنة الاعتمادات في مجلس النواب -الذي فر من البلاد في يوليو- باتهامات مباشرة للرئيس ماركوس وزوجته وأبنائه بالتورط في شبكة فساد واسعة، مؤكدًا امتلاكه "أدلة".
وجاءت هذه الاتهامات بعد استقالة ابن عم الرئيس ورئيس مجلس النواب مارتن روموالديز على خلفية شبهات فساد.
ووصفت صحيفة "مانيلا تايمز" عهد ماركوس بأنه "سقوط حر"، مشيرة إلى تضخم الديون، وارتفاع تاريخي في أسعار الغذاء، وانهيار منظومة المساءلة الحكومي.
أما صحيفة The Philippine Daily Inquirer أبرزت تصريح نائبة الرئيس سارة دوترتي باستعدادها لتولي الرئاسة "إذا استقال ماركوس أو تمت إقالته"، وفق الدستور.
ويواجه ماركوس اليوم أخطر تحد منذ وصوله إلى السلطة الذي يتمثل في استعادة ثقة المواطنين قبل أن تتحول الأزمة إلى حركة شعبية تطيح به، كما حدث عام 1986 لوالده. فمع كل قضية جديدة تنكشف، يزداد الشعور بالخيانة داخل بلد يعاني 20 إعصارًا سنويًا، ويحتاج بشدة إلى بنى تحتية قوية وقيادة شفافة.
وتحذر "بلومبرج" من أن الرئيس لم يعد يملك ترف الوقت، فإما أن يسرع التحقيقات ويحاكم كبار المتورطين، وإما يواجه مصيرًا مشابهًا لأسلافه الذين أسقطتهم موجات الغضب الشعبي.