الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

حميد الشاعري.. صانع النجوم وعرّاب الموسيقى الحديثة

  • مشاركة :
post-title
حميد الشاعري

القاهرة الإخبارية - محمد عبد المنعم

لم يكن عبد الحميد علي الشاعري، الليبي ذو الجذور المصرية، مجرد عابر في ذاكرة الموسيقى العربية، بل حالة استثنائية صنعت موجتها الخاصة. وُلد حميد في ليبيا لأب ليبي وأم مصرية، وتشكّل وعيه المبكر بين موسيقى شرقية أصيلة تنبض على العود والناي، وأخرى غربية حداثية تنطلق من الجيتار والكيبورد. هذا التناقض الجميل كوّن أذنًا مختلفة وروحًا موسيقية لا تشبه أبناء جيله. ومع انتقاله إلى مصر للدراسة في سن مبكرة، ثم استقراره الدائم فيها لاحقًا، وجد نفسه في البلد الذي احتضن صوته وأفكاره دون أن يدرك أنه سيغيّر ملامحها الفنية.

منذ طفولته، كان "الكابو" -كما لُقّب في التسعينيات- ينحاز إلى العزف. يقف أمام البيانو، يمسك الجيتار، ويعيد ترتيب يومه عبر النغم. وفي مطلع الثمانينيات ظهر في القاهرة كمطرب، غير أن القدر كان يمهّد لظهور موزّع سيهزّ قواعد الموسيقى العربية لاحقًا.

جاء دخوله إلى الساحة كشرارة تغيير زمن ما زال متمسكا بالأساليب الكلاسيكية، استخدم التكنولوجيا الموسيقية قبل أن تصبح عادة، وبرع في الجمع بين الإلكترونيات والإيقاعات الأوروبية دون أن ينسلخ عن الجذور الشرقية، ومن بين هذه الخلطة، ولدت هوية موسيقية جديدة سميت لاحقا بـ"المودرن ميوزك"، وبدأ الشباب يسمعون موسيقى لا تشبه ما سبقها، تنبض بالسرعة، الخفة، والجرأة.

لم تكن بداياته ممهّدة؛ فقد عاد ألبومه الأول من السوق محمّلًا بالنسخ المرتجعة، وحتى النسخ المقلدة عادت معه في واقعة نادرة في تاريخ الموسيقى. كاد حميد أن يبتعد عن الفن ويعود إلى دراسة الطيران، لولا أن شركة الإنتاج منحته فرصة ثانية. ومع الألبوم الثاني تمسك برؤيته دون مساومة، أصلح العثرات الصغيرة واستمر في الطريق ذاته، لتبدأ ملامح انتصاره الموسيقي في الظهور.

واصل حميد تقديم مزيج من الفلكلورين الليبي والمصري، فكانت "وين أيامك وين" علامة فارقة تتوّج كأفضل أغنية في مصر حينها، وقدّم أغنيات استعاد فيها روح التراث الليبي، وأخرى أعاد توزيعها من ثقافات موسيقية لم تكن مألوفة على الأذن المصرية، وفي أحد ألبوماته، كانت فرقة يحيى خليل هي الذراع التي شاركته العزف، ومع وجود الموسيقار فتحي سلامة على الكيبورد، بدأت بوضوح أولى خطوات ولادة "الموزع الذي سيغير شكل الموسيقى المصرية".

وحين التقى بمحمد منير، جمعتهما روح الغربة والبحث عن هوية موسيقية لا تشبه أحدًا، فلحّن له "الطريق"، ثم أعاد غناءها بعنوان "لا مانسينا"، قبل أن يقدما معًا أغنية "أكيد"، وكان ذلك التعاون من اللحظات التي ولدت صداقات فنية قوية.

ثم جاء اللقاء الذي سيغير شكل الساحة كلها، حميد وعمرو دياب، أول تعاون في "ميال"، ثم "شوقنا"، وصولًا إلى "أيامنا" و"ويلوموني"، قبل أن تطل اللحظة التي ستغزو العالم "نور العين"، ذلك الألبوم الذي حمل توقيع حميد في توزيعه، وكان جواز عبور لجيل بأكمله.

ومن بين هذا الجيل، خرجت أصوات صنعتها يد حميد: هشام عباس، إيهاب توفيق، مصطفى قمر، فارس.. الجميع مرّ عبر بوابته، وكل منهم حمل طابعه الموسيقي دون أن يفقد خصوصيته. كان حميد يؤمن بأن الفنان الحقيقي هو من يمنح الآخرين أجنحة، لا من يقصّها.

ورغم الانتقادات التي لاحقته، وقف دائمًا مدافعًا عن فكرة أن التكنولوجيا ليست عدو الفن وإنما جناحه الجديد قائلًا: "نحن جيل يحب السرعة، لسنا عبد الوهاب ولا عبد الحليم نحن مؤدون نقدم إحساسًا مختلفًا"، وقدّم رأيًا واضحًا في السوشيال ميديا، باعتبارها مسرحًا حرًا يتيح للجمهور اكتشاف القديم والاحتفال بالجديد دون قيود.

ومع كل ما حققه، ظل حميد يرى نفسه مواطنًا عاديًا يعيش بين أسرته، ينتظر رأس السنة ليحيي حفلاته ثم يعود إلى بيته، متمنيًا للعالم هدوءا يفتقده الجميع، وقد كشف ذات مرة أن أغنيته الشهيرة "في سكوت" كانت في الأصل لمصطفى قمر، لكنه فاز بها في لعبة كوتشينة، لتصبح واحدة من أشهر أعماله.

أما الضجة التي أثارها استخدامه بعض المفردات الغريبة، فقد تعامل معها ببساطة قائلًا: "الجلجلة صوت جرس، والصهللة صوت نهر.. الأمر لا يحمل أي معنى آخر"، كان واضحًا، و مقتنعًا بما يقدمه، مؤمنًا بأن الجمهور حين يصدق إحساس الفنان، يتخطى أي جدل لغوي أو فني.

ورغم أن "حميد" قال إنه يحب الغناء على التمثيل إلا أنه شارك في عدد من الاعمال السينمائية الناجحة من أشهرها "قشر البندق"، بجانب تقديمه عدد من الأغاني في أفلام شهيرة مثل "العفاريت، وبلية ودماغه العالية" وغيرها.