في لحظات، تحولت أبراج سكنية في هونج كونج إلى أعمدة من اللهب، لتشهد المدينة أحد أكثر حرائقها فتكًا منذ عقود، وبينما يكافح رجال الإنقاذ لانتشال الضحايا والبحث عن المفقودين، تصاعدت الأسئلة حول سلامة مواد البناء وسقالات الخيزران التقليدية التي تحيط بالمنشآت قيد التجديد.
ضحايا ومفقودون
أسفر الحريق الأشد فتكًا في هونج كونج منذ عقود عن وفاة ما لا يقل عن 55 شخصًا وإصابة المئات، بعد أن انتشر في عدة أبراج سكنية داخل المجمع الذي يقطنه عدد كبير من كبار السن، بحسب وسائل إعلام صينية.
وكان المجمع السكني قيد التجديد ومحاطًا بسقالات من الخيزران وشبكات أمان في وقت اندلاع الحريق، وأعلنت السلطات إلقاء القبض على ثلاثة رجال يعملون في شركة إنشاءات للاشتباه في ارتكابهم جريمة قتل غير عمد مرتبطة بالحادث.
سقالات الخيزران
قال شينيان هوانج، الأستاذ المشارك في قسم بيئة البناء وهندسة الطاقة بجامعة هونغ كونغ للفنون التطبيقية، وفق شبكة "سي إن إن"، إن الخيزران مادة قابلة للاشتعال بالتأكيد، وأكثر عرضة للاشتعال في موسم الجفاف في هونج كونج، حيث تسمح أعمدته الرأسية بانتقال النار إلى الأعلى بسهولة.
وصرح زعيم هونج كونج، جون لي، بأن سلطات الإسكان ستفحص الطبقات الواقية المستخدمة في تغطية المباني السكنية أثناء التجديد للتحقق من مدى مقاومتها للحريق، وأشار إلى احتمال أن تكون السقالات المصنوعة من الخيزران، والتي سبق أن ذكرت كسبب محتمل لحرائق مشابهة، عاملاً في حادث الأربعاء.
وأعلن أيضًا أن الحكومة ستجري فحصًا شاملاً لجميع سقالات الخيزران في المدينة، وأن مكتب التنمية يناقش مع مكتب البناء إمكانية التحول إلى السقالات المعدنية.
انتشار النيران
وأضاف أن النيران امتدت إلى ارتفاع 32 طابقًا خلال خمس دقائق فقط في مبنى "وانغ فوك كورت" في هونغ كونغ، ما جعل السكان يواجهون صعوبة هائلة في إخلاء المبنى ضمن مهلة قدرها 20 دقيقة.
وأوضح أن الوقت اللازم لإخلاء مبنى بهذا الارتفاع بطيء للغاية مقارنة بسرعة انتشار الحريق، مضيفًا أن الحريق تمكن من الوصول إلى أعلى المبنى في خمس دقائق أو أقل، بينما استغرق السكان ما لا يقل عن عشر دقائق أو عشرين دقيقة لإخلائه.
وأكد هوانج، وفق "سي إن إن"، أن السؤال الأساسي في التحقيق لا يتعلق بسبب الحريق بل بسرعة انتشاره غير الاعتيادية، وقال إن المبنى مصمم للتعامل مع الحوادث العشوائية، لكنه ليس مصممًا لاحتواء انتشار سريع لحريق يبدأ خارج الهيكل ثم يمتد إلى داخله.
سقالات الخيزران
كان المجمع المحترق محاطًا بسقالات من الخيزران، وهي تقنية بناء قديمة تعود إلى عهد أسرة هان ولا تزال مستخدمة على نطاق واسع في هونج كونج، ويبلغ ارتفاع هذه السقالات مئات الأقدام، وتُلف بشبكات أمان ملونة باللون الأخضر أو الأزرق أو الأرجواني.
ولا يقتصر استخدام الخيزران على المباني الجديدة فحسب، بل يعتمد عليه أيضًا في تجديد آلاف المساكن التاريخية سنويًا، مما يجعله جزءًا أساسيًا من بيئة البناء في المدينة.
غير أن هذه التقنية تتعرض لانتقادات متزايدة بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة ومتانة المادة القابلة للاشتعال وعرضتها للتلف، وأعلنت هيئة التنمية في هونج كونج أن نصف مشاريع المباني العامة الجديدة التي ستبدأ بعد مارس ستعتمد السقالات المعدنية لحماية العمال والالتزام بالمعايير الحديثة في المدن المتقدمة. وأثار الإعلان ردود فعل غاضبة من سكان يعتبرون السقالات جزءًا من التراث الثقافي الذي يجب الحفاظ عليه.
وقال جومان هو، المهندس الإنشائي في شركة "أروب" البريطانية، لشبكة "سي إن إن"، إن المطلوب هو إيجاد حلول للتغلب على مخاطر الخيزران، مقترحًا معالجة الأعمدة بمحلول إيبوكسي أو بلاستيكي لمنع التآكل وتأخير تلف المادة.
وقال زعيم هونج كونج، جون لي، إن الحكومة ستفحص جميع سقالات الخيزران في المدينة، مضيفًا أن مكتب التنمية يجتمع مع مكتب البناء لمناقشة التحول إلى السقالات المعدنية.