واصل اللواء محمد إبراهيم الدويري، وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية السابق، تقديم شهادته حول دور مصر في القضية الفلسطينية، وكيف كانت تتعامل مع الأحداث والفصائل بما يحقق الصالح العام للشعب الفلسطيني.
وأكمل "الدويري"، خلال لقائه مع الإعلامي سمير عمر، في برنامج "الجلسة سرية" على قناة "القاهرة الإخبارية"، الكشف عن كواليس صفقة الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، موضحًا أنه تم تمهيد الطريق تمامًا نحو تنفيذ صفقة تبادل الأسرى المعروفة بـ"صفقة شاليط"، ووضع آلياتها من خلال مئات الاجتماعات مع مسؤولين من حماس وإسرائيل.
وأشار إلى الاتفاق على عدة إجراءات وهي أن تنشر حكومة إسرائيل يوم 15 أكتوبر، أسماء الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم في الصحف الإسرائيلية، وأن تبلغ حركة حماس "شاليط" بأنه هناك قرار بالإفراج عنه، ويوم 16 و17 أكتوبر ينقل الأسرى المفرج عنهم إلى 4 سجون، وفي نفس الوقت يفحص الصليب الأحمر وممثلين عن الأسرى ولجنة مصرية، الأسرى ومطابقة الأسماء على الكشوفات ويبلغون كل أسير أنه سيتم الإفراج عنه.
واستطرد: يوم 18 أكتوبر نقلت إسرائيل الأسرى من السجون الأربعة إلى المناطق الحدودية التي سيخرجون منها، وتم تقسيم المهمة لأربع مجموعات، الأولى "تأمين"، والثانية مجموعة استلام، والثالثة مجموعة "ضباط" من الجهاز ومعهم فرد من الصليب الأحمر في كل أتوبيس، ومجموعة أخيرة تسمي الإشراف، وهي غرفة عمليات الجهاز وتعمل 24 ساعة، وموجودة في القاهرة منعًا لحدوث أي طارئ.
وأشار إلى أنه بمجرد وصول شاليط إلى معبر كرم أبو سالم كانت هناك مجموعة في انتظاره من الحكومة الإسرائيلية والشاباك والموساد ومجموعة طبية، وفي نفس الوقت صدرت تعليمات من الإسرائيليين لجميع الأتوبيسات الموجودة على حدود كل منطقة بالدخول وهنا تم تطبيق مبدأ التزامن.
وأضاف: هناك مجموعة أبعدت إلى الخارج، ووصلوا القاهرة وكانت جوازات سفرهم جاهزة، وجاء لهم خالد مشعل رئيس حركة حماس في الخارج، وكل منهم ذهب إلى البلد التي يرغب في التوجه إليها"، مشيرًا إلى أن حماس أطلقت على هذه الصفقة "وفاء الأحرار".
المصالحة الفلسطينية
وتابع أن قادة حماس أحمد الجعبري ومروان عيسى ووفد من الحركة كانوا حريصين على الإفراج على أكبر قدر من الأسرى، وبالفعل خرج أسرى من فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، مؤكدًا أن مصر كانت داعمة لموقف حماس لأنها ليست قضية خاصة بها ولكنها قضايا وضع نهائي وخاصة بالشعب الفلسطيني، ويوم 18 أكتوبر تم تسليم شاليط، وفي 18 نوفمبر تم تنفيذ المرحلة الثانية بالإفراج عن 550 أسيرًا أمنيًا وليس جنائيًا.
وأوضح أن مصر لم تكتف بالإفراج عن الأسرى في صفقة "شاليط" بل شددت ووضعت 7 مبادئ لتحسين أحوال الأسرى، وبعد شاليط كان من المفترض أن تكون الساحة ممهدة للمصالحة الفلسطينية، وحاولت حاولت بقدر الإمكان أن تسير في مسار المصالحة وصولا لاتفاقات الشاطئ والدوحة واتفاق 2017، لكن الأسف الشديد كل هذه الجهود ذهبت سدى، وللأسف لم ينجحوا في أن تصل الأمور بهم إلى المصالحة التي أوصلت إلى هذا الانقسام والوضع الحالي، حيث تحارب مصر لإيقاف حرب غزة المستمرة منذ عامين.
وأضاف: مع تولي يحيى السنوار رئاسة حماس، نشروا وثيقة من نحو 42 فقرة أنهم ليسوا جزءًا من الإخوان، ولكن المهم كيف تتحول هذه الوثيقة إلى واقع عملي، وتحريك الأمور سياسيًا، فالمقاومة مهمة وضرورية وكفلها القانون الدولي، لكن هناك هدف أسمى وهو القضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية والمصلحة الفلسطينية، فالعقلية التي تولت في هذا التوقيت كانت مختلفة".
وتابع: عقلية الشيخ أحمد ياسين والمجموعة الأولى كانت لهم رؤية، وكان هناك جزء سياسي نتحدث فيه مع الزهار وخالد مشعل والدكتور موسى أبو مرزوق، ولكن مع الإخوان الذين تولوا بعد ذلك كان الجزء السياسي مفقودًا تمامًا، ففكرة المقاومة فقط لن تكفي وحدها ولن تحرر شيئًا".
واستشهد " الدويري" بمصر بعد حرب أكتوبر المجيدة، موضحًا أنها أعطت درسًا، ففي 1973 حارب الجيش المصري، وحركنا الأمور عسكريا حتى نستثمرها سياسيا وحصلنا على أرضنا بالكامل، فالمقاومة وسيلة لتحقيق هدف وليس العكس.
اغتيال الجعبري وأبو شمالة والعطار
وتحدث وكيل المخابرات المصرية السابق عن كواليس آخر لقاء له مع القيادي بحركة حماس أحمد الجعبري الذي اغتالته إسرائيل عام 2014، قائلًا إنه زار مصر بعد الإفراج عنه فقال بالحرف الواحد أنه عندما يعود إلى غزة فإنه سيتم اغتياله.
وأضاف: "طلب منا أن يذهب لأداء فريضة الحج، وبالفعل ذهب مع محمد أبو شمالة ورائد العطار، لأن إسرائيل تضعهم في قائمة مع محمد السنوار، حيث وجدوا أن الجعبري والعطار وشمالة مسؤولون عن خطف شاليط، وقال لي تحديدًا: بعد الحج إنه لن يراني مجددًا".
وتابع: "بعد عام تقريبًا من الإفراج عن شاليط قُصفت سيارة الجعبري وبعدها بعامين في 2014 قُصف محمد أبو شمالة ورائد العطار وكانت قيادات حماس بلواء رفح في منزل واحد، وبعد إتمام هذا الأمر باغتيال الثلاثة، اغتالت إسرائيل بعض الأسرى المفرج عنهم واعتقلت بعضهم في غزة والضفة.
الدور المصري في القضية الفلسطينية
وقال الدويري، إن مصر حاولت السير في مسارين، هما مسار المصالحة ولم يصل إلى شيء حتى اجتماع العلمين في 31 يوليو 2023.
وأضاف أن القضية الفلسطينية تمر الآن بأصعب مرحلة في مراحلها، لأنها ليست مرحلة اختبار أو تعثر أو مشكلات أو قضية يمكن حلها من عدمه، فنحن الآن في مرحلة قرار أمريكي إسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية.
وتابع: "من يقرأ الصورة عن قرب وعن كسب بواقعية شديدة يرى أن كل ما يلعب الآن لتصفية القضية الفلسطينية، فغزة تُدمَّر تمامًا وإعادة الإعمار قد تستغرق من 10 إلى 20 عامًا، والضفة الغربية تُلتَهم والضم يسير على الأرض دون إعلان وبقدر الإمكان يتم ضرب السلطة الفلسطينية وتم تدمير معظم قيادات حماس ومعظم قيادات غزة".
وأضاف: الأمر يسير تجاه تصفية القضية الفلسطينية، ومصر قرأت المشروع منذ زمن وقرأه الرئيس عبدالفتاح السيسي وأعلنَّا رفضنا رفضًا قاطعًا لكل ما يتعلق بتحرك يمس القضية الفلسطينية ونرفض التهجير إلى سيناء وأعلنا ذلك إلى الجميع".
واستطرد: "خطة ترامب لا يجب أن ننظر إليها على أنها كلها سلبية أو كلها إيجابية، نحاول بقدر الإمكان أن نتحرك بها ونحارب من أجل وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير والوصول إلى مرحلة هدوء في غزة يمكن من بقاء السكان كما هو، ثم الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار مع بقاء السكان".
وشدد وكيل جهاز المخابرات المصرية الأسبق على أن مصر تعمل على بلورة كاملة لأفق سياسي، لكنه يرى أنه ليس قريبًا، موضحًا: "نحاول الوقوف أمام تصفية القضية الفلسطينية ونحن أمام قطار يأتي ليلتهم المنطقة بالكامل، ويجب الوقوف أمامه بشكل عاقل رزين ليس به انفعال أو قرارات خاطئة تكلف ما لا نطيق".
واختتم: "القيادة السياسية واعية وحريصة على مصالح شعبها والمبادئ التي أرسيناها في المنطقة والعالم، وستظل مصر بقيادتها الواعية وشعبها الصامد الواعي حائط صد أمام تصفية القضية الفلسطينية".