تتجه أنظار العالم نحو الشرق، في انتظار شمس الحضارة المصرية، المتوهجة والتي تزين المتحف المصري الكبير، في افتتاحه المقرر له غدًا السبت، بعد سنوات من التجهيزات منذ عام 2009، ليخرج إلى النور أكبر متحف أثري لحضارة واحدة في العالم.
في السياق تحدثت شيرين فرنجول-بروكنر، الرئيس التنفيذي لـ"أتيليه بروكنر"، المسؤولة عن تصميم معرض كنوز الملك الذهبي توت عنخ آمون بالمتحف المصري الكبير، لصحيفة "برلينر مروجن بوست" الألمانية، عن كواليس العمل داخل المتحف المصري الكبير، مؤكدة أنها تنتظر بفارغ الصبر حفل الافتتاح لحلم طال انتظاره، ولم تخف فرحتها بخروج المشروع العالمي إلى النور أخيرًا بعد أعوام من العمل الشاق.
وركزت الصحيفة على افتتاح المتحف المصري الكبير، موضحة أن من بين مزاياه موقعه القريب من أهرامات الجيزة العظيمة، وحجمه الهائل، ويزيد من جاذبيته العدد الكبير من المعروضات — أكثر من 100,000 قطعة أثرية من مصر الفرعونية واليونانية والرومانية — بالإضافة إلى عرض جميع مقتنيات مقبرة الفرعون توت عنخ آمون (1332-1323 قبل الميلاد) لأول مرة.
المتحف مشروع استثنائي
وقالت بروكنر إن مشروع المتحف مميزٌ بحجمه وأهميته وتأثير، إنه متحفٌ عالمي المستوى، لم يسبق لنا أن شاركنا في مشروعٍ بهذه الجودة العالية للمعروضات وهذا التاريخ الفريد؛ لقد كان شرفًا عظيمًا.
وأضافت أن جميع القطع الأثرية، البالغ عددها 5600 قطعة، من مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك، تُعرض كاملةً لأول مرة، إن مشاهدة الافتتاح بعد قرابة عشر سنوات أمرٌ مؤثرٌ للغاية.
تأجيل الافتتاح كان صائبًا
تقول بروكنر للصحيفة الألمانية: أعتقد أن قرار تأجيل افتتاح المتحف الكبير عقب الحرب الإسرائيلية الإيرانية كان صائبًا وفي محله، في مرحلةٍ ما، لم يعد السؤال هو ما إذا كان العمل قد انتهى، بل متى حانت اللحظة المناسبة لهذا المتحف في سياقٍ دولي. إن الأهمية الثقافية والسياسية للمتحف لمصر هائلة، وتستحق مكانًا مناسبًا.
وتضيف: شهد المتحف بالفعل افتتاحات جزئية، منها على سبيل المثال ورش الترميم وقاعات المؤتمرات، ثم أُضيف "الدرج الكبير"، وهو درج واسع يربط الردهة الواسعة بقاعات العرض. في الردهة، حيث يوجد تمثال رمسيس الثاني الضخم، تُقام عروض أزياء وحفلات موسيقية، أما "الدرج الكبير"، فهو معرض منفصل يضم حوالي 90 تمثالًا وتابوتًا للفراعنة وأعمدة وقطعًا أثرية أخرى، ونحن من صممناه.
سرية تامة حتى لحظة الافتتاح
وتضيف: حرص المسؤولون على عدم تسريب أي صور، حتى في المراحل النهائية للمشروع. لم يُسمح لنا بإدخال هواتفنا المحمولة إلى المعرض، مما صعّب علينا التقاط أي صورة محتملة.
وحول قناع الملك الذهبي، تؤكد أنه لم يسمح لأي شخص بلمسه أو حتى لمس أي قعة معروضة داخل المعرض، وتضيف: لا، بالطبع، لم يُسمح لنا بلمسه، ولا حتى أي قطعة معروضة، فهذا مخصص حصريًا للمرممين المصريين. كنا قريبين جدًا من القطع الأثرية أحيانًا على بُعد سنتيمترات قليلة فقط، ولاحظنا العناية والتفاني اللذين عوملت بهما.
فرق مصرية مختصة
وأضافت: هذا أمر مفهوم تمامًا. يُسمح فقط للمتخصصين المصريين بلمس أو نقل القطع الأثرية. تُصنع الحوامل الخاصة بكل قطعة معروضة خصيصًا، وقد قامت بذلك أيضًا فرق محلية حصريًا. كانت العملية دقيقة وطويلة في كثير من الأحيان، لكنها تُظهر الاحترام الذي تُعامل به هذه الكنوز الثقافية في مصر. يُعد قناع توت عنخ آمون أحد أشهر آثار مصر القديمة، ولم يُعثر عليه إلا بعد ثلاث سنوات من اكتشاف المقبرة، بعد فتح التابوت.
وعن رحلة تصميم معرض الملك الذهبي، كشفت بروكنر عن تفاصيل دقيقة حول كنوز توت عنخ آمون وكيفية عرضها داخل المتحف المصري الكبير.
وقالت: كان لدينا مجموعة معروضات مُحددة بدقة بالغة، جميع القطع الأثرية البالغ عددها 5,600 قطعة من المقبرة التي اكتشفها عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر في وادي الملوك في نوفمبر 1922. عادةً ما نعمل مع متاحف ذات مجموعات أكبر بكثير.
تصميم يحكي تاريخ المصري القديم
وأضافت: تتمثل مهمتنا في استخلاص القصص المُلهمة من هذا الكم الهائل من القطع. أما هنا، فكان الأمر مختلفًا، وكانت القصة واضحة، والمعروضات ثابتة، وتمكنا من التركيز كليًا على التصميم. كان هذا أساسًا مثاليًا لعملنا.
أوضحت: أعدنا ترتيب الموضوعات لتشكيل سرد متكامل. ولأن القاعتين تفتحان من اتجاهين مختلفين، قررنا أن تكون للزائر رحلتان متوازيتان في القصة. المسار الأول يتبع التسلسل الزمني: من عرش الملك الذهبي وذكر أسلافه، إلى حياته القصيرة ومماته وطقوس تحنيطه، وصولًا إلى توابيته وما يرمز إليه عبوره إلى العالم الآخر. في النهاية، نعرض كنوزه التي تحكي تفاصيل الحياة اليومية في مصر القديمة. ولإبراز المفارقة، صممنا نموذجًا مطابقًا تمامًا لغرفة الدفن الأصلية، ليُدرك الزائر أن كل هذه الكنوز وعددها 5,600 قطعة، معروضة على مساحة 7,500 متر مربع، كانت يومًا ما حبيسة قبر صغير لا يتجاوز 35 مترًا مربعًا تحت صخور وادي الملوك!
إبهار القناع الذهبي
ولفتت إلى أن الهدف من هذا العمل الشاق التواصل مع الزوار عاطفيًا وتوضيح المعنى الحقيقي من وراء هذا الجمال. تقول بروكنر: كان من المهم لنا ألا نعرض المعروضات كمجرد أعمال فنية، بل أن نتركها تتحدث عن نفسها. العديد من القطع كانت أشياءً يومية استُخدمت وحملت معنىً للناس، ومن هنا تحديدًا تنبع القصص الإنسانية البسيطة التي أردنا سردها في المعرض.
وتشير إلى أنه "بالطبع، هناك القطع المميزة، مثل قناع الموت الذهبي. لكنني تأثرت بشدة بهذه التماثيل الصغيرة، هذه التماثيل الصغيرة الشبيهة بالمومياء، بحجم بضعة سنتيمترات فقط، والتي كانت تُرافق توت عنخ آمون في رحلته من الحياة إلى الآخرة، تظهر بأعداد كبيرة، هناك المئات منها، وهنا يكمن جانب إنساني عميق.
وأضافت أنها تُظهر مدى قوة الإيمان بأنه لا أحد مضطر للسير في هذا الطريق وحده، وتخبرنا معارض مثل هذه كثيرًا عن ثقافة وتاريخ المصريين القدماء، وهي مثيرة للإعجاب في عرضها.