بعد 9 أشهر من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، أصبحت أمريكا اللاتينية محورًا رئيسيًا للسياسة الخارجية الأمريكية، مع اختيار إدارته إستراتيجية تُركز على الرسوم الجمركية والضغط العسكري والتوافق السياسي الثنائي، بحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
ويتصدر وزير الخارجية ماركو روبيو، هذه الجهود، إذ أعلن، يناير الماضي، تصنيف عصابات المخدرات كمنظمات إرهابية أجنبية، ما يُمكن الجيش الأمريكي من ضرب شبكات الاتجار المشتبه بها بالقوة، وسرعان ما تبع ذلك انتشار بحري وضربات صاروخية على طول منطقة البحر الكاريبي وشمال أمريكا الجنوبية.
وأسفرت أربع ضربات في شرق المحيط الهادئ، الثلاثاء الماضي، عن مقتل 14 شخصًا ونجاة شخص واحد في أكثر الأيام دموية منذ أن بدأت إدارة ترامب حملتها.
وصرّحت النائبة الأمريكية ماريا إلفيرا سالازار، جمهورية من فلوريدا وإحدى أشد المدافعين عن الإدارة، بأن نهج ترامب يُمثل تحولًا طال انتظاره، قائلة: "إدارة ترامب تفعل بالضبط ما يجب عليها فعله".
أثارت هذه العمليات، التي أسفرت عن عشرات القتلى، ردود فعل حادة من المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، إضافة إلى القادة الدوليين، إذ صرّح الرئيس الكولومبي السابق إرنستو سامبر (1994-1998) لمجلة نيوزويك، بأن هذه الاستراتيجية مثيرة للقلق البالغ.
وقال سامبر "يسار الوسط": "تكمن المشكلة في الطريقة التي تُنفذ بها هذه العمليات، وهي انتهاك للقانون الدولي والاتفاقيات البحرية، وأنها تُشبه عمليات قتل خارج نطاق القضاء لأفراد طواقم السفن الصغيرة".
ميلي.. الحليف المطيع
وعلى النقيض من المواجهات الدبلوماسية الدائرة في منطقة البحر الكاريبي، برزت الأرجنتين كواحدة من أقرب حلفاء إدارة ترامب في المنطقة، وأحد أكبر المتلقين للدعم الأمريكي.
حقق الرئيس خافيير ميلي فوزًا حاسمًا في انتخابات منتصف المدة، الأحد الماضي، بعد أسابيع فقط من تلقيه خطة إنقاذ أمريكية بقيمة 20 مليار دولار، تهدف إلى دعم البيزو الأرجنتيني واستقرار ثقة المستثمرين.
وفي الفترة التي سبقت التصويت، ربط ترامب الدعم المالي المُستقبلي ببقاء ميلي السياسي في السلطة، وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي وصف خطة الإنقاذ بأنها "جسر اقتصادي مع حلفائنا"، إن الولايات المتحدة مُصممة على تجنب "دولة فاشلة أخرى في أمريكا اللاتينية"، بحسب "نيوزويك".
وأثارت الصفقة جدلًا سياسيًا في الأرجنتين، إذ اتهم المنتقدون ترامب باستغلال أموال دافعي الضرائب لتمويل مقامرة أيديولوجية محفوفة بالمخاطر، لكن داخل الأرجنتين، أصبحت بمثابة طوق نجاة سياسي، وبعد سلسلة من الانتكاسات وانخفاض نسب التأييد إلى أقل من 40%، استعاد حزب ميلي زخمه برسالة استقرار مدعومة من الولايات المتحدة.
على الرغم من أن ميلي قد تبنى علنًا خطابًا معاديًا للصين، بما في ذلك تعهدات بتجنب الصفقات مع "الشيوعيين"، إلا أن حكومته لا تزال تحتفظ بترتيبات مالية بالغة الأهمية مع بكين، بما في ذلك مبادلة عملات دائمة مع بنك الشعب الصيني.
كولومبيا.. رضوخ حذر
في سياق آخر، تحولت نبرة الإدارة إلى المواجهة بشكل حاد، وفي يناير، رفض الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو، قبول رحلات الترحيل الأمريكية، وفي غضون ساعات، هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية، وعلقت الخدمات القنصلية، وشدّدت عمليات التفتيش على الصادرات الكولومبية، لكن بيترو سرعان ما تراجع عن موقفه، عارضًا إرسال طائرته الرئاسية الخاصة لنقل المرحّلين.
بحلول أواخر سبتمبر، تصاعدت التوترات وألغت الولايات المتحدة تأشيرة بيترو بعد أن حثّ القوات الأمريكية في مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين بنيويورك على عصيان الأوامر. بعد أسابيع، وفي خضمّ هجمات صاروخية في منطقة البحر الكاريبي، اتهم بيترو واشنطن بقتل صيادَين كولومبيَّين، وفي 24 أكتوبر، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على بيترو وزوجته وعدد من حلفائه المقربين، بزعم صلاتهم بتجارة المخدرات -ادعاءات ضخمها ترامب بوصفه إياه بـ"زعيم عصابة مخدرات".
وقالت سالازار، إن الانهيار كان نتيجة ذاتية. وأضافت: "لا يمكن للرئيس بيترو أن يُهين رئيس الولايات المتحدة بالخروج إلى شوارع نيويورك وإخبار القوات بعدم اتباع أوامر القائد العام".
في حين تحمّلت كولومبيا وفنزويلا وطأة غضب واشنطن، كانت بنما أول من شعر بالصدمة في بداية ولاية ترامب الثانية، بعد أيام من عودته إلى البيت الأبيض، طالبت الإدارة الأمريكية بالإشراف على قناة بنما، مشيرة إلى النفوذ الصيني.
وتصدرت فنزويلا أبرز مشاهد الصدام مع الولايات المتحدة، بعد إعلان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أن بلاده مستعدة للقتال، في ظل حشد عسكري أمريكي متزايد بمنطقة الكاريبي يشمل مدمرات بصواريخ موجهة، ومقاتلات "إف-35"، وغواصة نووية، ونحو 6500 جندي، بالتزامن مع تصعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمواجهة مع حكومة كاراكاس.
وقال مادورو لحشد من أنصاره في وقت سابق من هذا الأسبوع: "الشعب مستعد للقتال، مستعد للمعركة". وأضاف: "فنزويلا لن تُهان. فنزويلا لن ترضخ لأحد، ستواصل فنزويلا مسيرتها نحو السلام والوئام والاستقرار".
وحركت فنزويلا، أمس الخميس، قواتها إلى مواقعها على ساحل البحر الكاريبي، وحشدت، وفقًا لما أكده مادورو، قوات قوامها ملايين الجنود، في استعراض للتحدي ضد أكبر حشد عسكري أمريكي بمنطقة البحر الكاريبي منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وأعلن مادورو، الاثنين الماضي، نشر 4.5 مليون من رجال الميليشيات في جميع أنحاء فنزويلا، قائلًا: "أي إمبراطورية لن تلمس أرض فنزويلا المقدسة"، بعد أن ضاعفت الولايات المتحدة المكافأة مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله، وزادت عدد القوات المبحرة حول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.