تروِّج إسرائيل حاليًا من خلال منابرها الإعلامية، لكذبة جديدة تبرر استمرارها في احتلال وقصف الأراضي اللبنانية، إذ زعمت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن "حزب الله" اللبناني يستعيد بناء قدراته بأقصى سرعة، استعدادًا للحرب الجديدة ضد تل أبيب.
وتدعي الصحيفة أن الهيكل الجديد لحزب الله يشكِّل تحديات جديدة لإسرائيل، لا سيما في 3 مجالات، هى الصواريخ والقذائف والطائرات المُسيَّرة، والبنية التحتية التي تدعمها.
وأعلن الجيش الإسرائيلي، أمس الجمعة، تصفية عنصر من حزب الله في غارة جوية بجنوب لبنان، وزعم -في بيان- إن طائرة تابعة لسلاح الجو بقيادة فرقة 91، هاجمت في وقت سابق من الجمعة "مُخرِّبًا من حزب الله كان يعمل على إعادة تأهيل القدرات العسكرية للمنظمة في منطقة خربة سلم بجنوب لبنان، وتمت تصفيته".
وذكرت "يديعوت أحرونوت" في تقرير مطول نشرته على موقعها الإلكتروني"واي. نت" اليوم السبت، أن القوة النارية لحزب الله اعتمدت تقليديًا على شبكة مدفعية واسعة النطاق، بينها صواريخ باليستية دقيقة مخبأة داخل المنازل، وقاذفات صواريخ منتشرة في أنحاء جنوب لبنان.
وحسب الصحيفة، فشلت معظم الصواريخ الباليستية -وهي نسخ إيرانية الصنع من طراز (فاتح-11)- في إصابة العمق الإسرائيلي. وتم اعتراض العديد منها، بينما دمر سلاح الجو الإسرائيلي منصات الإطلاق قبل أن تتمكن من إطلاقها.
ولفت الصحيفة إلى أن الصواريخ الثقيلة، مثل (فجر-5) وجراد، أحدثت دمارًا عند سقوطها، لكن حزب الله واجه صعوبة في مواصلة إطلاق وابل كثيف من الصواريخ. ووفقًا لبيانات الجيش الإسرائيلي، لم يطلق الحزب أكثر من 230 صاروخًا في يوم واحد وذلك مرة واحدة فقط في نهاية أغسطس 2024.
ولأن الصواريخ المخزنة ليست صواريخ على منصات إطلاق، واجه حزب الله مشكلات لوجستية جسيمة، بما في ذلك نقل الذخيرة، ونشر منصات إطلاق كافية في الوقت المناسب، والتعامل مع القادة الميدانيين الجرحى الذين لا يزالون يتعافون من الحروق في مستشفيات بيروت.
واستغل الجيش الإسرائيلي هذه الثغرات، فدمر مئات منصات الإطلاق دفعة واحدة. وفي عملية "جديد تماريم" في 21 سبتمبر، تم تدمير 400 منصة إطلاق صواريخ في غضون ساعات، وحتى عندما تمكن حزب الله من تركيز إطلاق النار، اعترضت بطاريات "القبة الحديدية" معظم الصواريخ.
وكان صاروخ "بركان" البدائي، وهو في جوهره برميل متفجر مزود بمحرك صاروخي صغير، من أكثر الأسلحة تدميرًا التي استخدمها حزب الله، وجعل قِصر مداه اعتراضه صعبًا، ولم تتمكن "القبة الحديدية" أحيانًا من الرد في الوقت المناسب.
كما أثبتت صواريخ "ألماز" المضادة للدبابات بعيدة المدى، الموجهة بصريًا والمطلقة من مكان مخفي تمامًا، خطورتها، إذ كان بإمكان مشغليها تحديد الأهداف باستخدام كاميرا مثبتة على متن الصاروخ، ما أتاح لهم إصابة القواعد والمركبات والمنازل بدقة.
في حين أن نظام الحماية النشط الإسرائيلي "تروفي" قادر على اعتراض مثل هذه الصواريخ، إلا أنه لا يحمي إلا المركبة المثبتة عليه، ولا سبيل لتركيب مثل هذه الأنظمة على كل منزل قرب الحدود أو كل جرار في الجليل.
ونتيجة لذلك، وفق يديعوت أحرونوت، قد ينتقل حزب الله إلى مزيج من الصواريخ "الذكية" والصواريخ "الغبية" وهى ترسانات أصغر حجمًا، ولكنها أسلحة أكثر فعالية تتجاوز دفاعات إسرائيل.
ولفت تقرير "يديعوت أحرونوت" إلى أن وحدة سلاح الجو التابعة لحزب الله، التي بُنيت على مدى عقود بمليارات الدولارات من الاستثمارات الإيرانية، مزودة بصواريخ كروز بعيدة المدى مثل DR-3 وطائرات هجومية مُسيَّرة متطورة مثل شاهد-129 وكرار النفاثة.
وكانت هذه الطائرات قادرة على إسقاط قنابل موجهة أو اعتراض طائرات مُسيَّرة أخرى، لكن سلاح الجو الإسرائيلي دمر معظم هذا الأسطول النخبوي قبل أن يحدث تأثيره، بحسب الصحيفة.
كان التهديد الحقيقي من طائرات الكاميكازي المُسيَّرة البسيطة -القنابل الطائرة التي تطلق جماعيًا من لبنان إلى إسرائيل- وهي نماذج رخيصة وفعالة، مثل أبابيل-تي، وصمد-2 بعيد المدى، وشاهد-101 و-107 الصغيرتين والمراوغتين، وكل منها سلاح ذو اتجاه واحد، لكن تكلفتها زهيدة جدًا، ويسهل إطلاقها من أي مكان، حتى في غياب البنية التحتية المناسبة.
وتدعي "يديعوت أحرونوت" أن حزب الله بدأ بالفعل بتحويل إنتاجه نحو هذه الطائرات المُسيَّرة منخفضة التكلفة.
وذكر تقرير الصحيفة أن الغارات الإسرائيلية على ضاحية بيروت ومواقع أخرى في يونيو الماضي، دمرت 5 مصانع للطائرات المُسيَّرة، ومع ذلك يواصل الحزب إعادة بناء مصانعه على نطاق واسع بعد أن فقد نحو 70% من مخزونه من الطائرات المُسيَّرة.
لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق، وفق الصحيفة العبرية، هو التداعيات العملية، إذ يمكن إطلاق صواريخ "ألماز" من مواقع خفية -حتى من ثقوب في الأرض- ما يصعِّب على إسرائيل القضاء على طواقم الإطلاق.
بالمثل، لا يتطلب إطلاق الطائرات المُسيَّرة الانتحارية مدارج أو مرافق معقدة، فطائرة شاهد-101 توضع في صندوق بحجم خزانة التلفزيون، سهلة الإخفاء، ورخيصة التخزين، وقادرة على الوصول إلى أهداف على بعد مئات الكيلومترات، لذا لم يعد حزب الله بحاجة إلى مخابئ ضخمة تحت الأرض تكلف الملايين وتجذب الاستخبارات الإسرائيلية.
هذا هو الخطر، وفق يديعوت أحرونوت، التي قالت: "كلما كان السلاح أبسط، زادت صعوبة إيقافه"، وأضاف أن ترسانة حزب الله الجديدة تتطلب عددًا أقل من الأفراد، وأموالًا أقل، وبنية تحتية محدودة، لكنها تشكل تحديات أكبر من أي وقت مضى.
وخلصت الصحيفة إلى أن حزب الله خرج من حرب لبنان الثالثة في 2023-2024، منهكًا لكنه يعيد بناء نفسه، وهذه المرة قد يكون تعافي الحزب أسرع وأقل تكلفة وأكثر خطورة.
ومنذ 27 نوفمبر الماضي، يسري اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه برعاية أمريكية وفرنسية، ينص على تراجع حزب الله من منطقة جنوب نهر الليطاني (على مسافة نحو 30 كيلومترًا من الحدود) وتفكيك بنيته العسكرية فيها، وحصر حمل السلاح في لبنان بالأجهزة الرسمية.
وألزم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 27 نوفمبر، إسرائيل بسحب قواتها من جنوب لبنان في غضون 60 يومًا، وبنقل حزب الله قواته شمالًا، وطلبت إسرائيل مزيدًا من الوقت للقيام بذلك، ومدد الموعد النهائي لسحب قواتها، لكنها منذ ذلك الحين، تشنّ غارات جوية على لبنان.
وأبلغت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مجلة "نيوزويك" الأمريكية، في رسالة بريد إلكتروني أنها وثقت ما يقرب من 6300 انتهاك جوي، بما في ذلك ما يقرب من 100 هجوم جوي، ونحو 950 مسارًا جويا "تم رصده من الجنوب إلى الشمال" منذ 27 نوفمبر.
وإضافة إلى الغارات، أبقت إسرائيل على قواتها في 5 تلال في جنوب لبنان، بعكس ما نص عليه الاتفاق، وتطالب بيروت المجتمع الدولي بالضغط على تل أبيب لتنفيذ التزاماتها.
ووجهت إلى إسرائيل اتهامات بارتكاب العديد من الانتهاكات الأخرى في لبنان -لا سيما في المناطق المدنية- خلال الأشهر القليلة الماضية، وأفادت الأمم المتحدة بأن إسرائيل قتلت أكثر من 100 مدني في لبنان منذ الهدنة.