الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الإستراتيجيات الناجحة في إدارة أموال إعادة إعمار الدول بعد الحروب

  • مشاركة :
post-title
آليات تعمل على إزالة الأنقاض في غزة

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

تُعتبر مرحلة إعادة إعمار الدول بعد الحروب والصراعات من المراحل الحرجة، التي تتطلب تكامل جميع خطواتها، بداية من التوصل إلى حل سياسي نهائي، وصولًا إلى إنعاش أركان الاقتصاد المُدمر، من خلال إدارة لوجستية لأموال إعادة الإعمار، تُحقق مصلحة اقتصاد الدولة، دون أن تُشكل خطوة إعادة الإعمار مرحلة جديدة من التنافس بين مختلف الأطراف، وهي النواة الأساسية التي تُعيد اقتصاد الدولة المنكوبة إلى دائرة الاقتصاد العالمي والإقليمي.

وفي هذا النطاق أوضح رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، أن مصر تستضيف مؤتمر إعادة إعمار غزة، نوفمبر المقبل، بمشاركة عربية ودولية واسعة، ومن جهة أخرى؛ أضاف أن الحكومة تعد برنامجًا للتعافي لمدة 6 أشهر بتكلفة 30 مليار دولار في المرحلة الأولى من إعادة إعمار قطاع غزة.

وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل للتعرف على آليات إعادة الإعمار وكيفية إدارة الأموال في خدمة اقتصاد الدول بعد الحروب والصراعات.

متطلبات إعادة الإعمار

يُمكن بلورة متطلبات إعادة الإعمار من خلال النقاط التالية:

(-) تحقيق الأمن: إن الأمن عنصرًا أساسيًا في نجاح إعادة الإعمار بعد الحروب أو الصراعات، بل يُعتبر الشرط الأول في هذه العملية، فضمان بيئة آمنة يوفر الإطار العام اللازم لاستكمال عملية إعادة الإعمار، ودون الأمن الداخلي تتعرض عمليات إعادة الإعمار إلى الانهيار التام، وهو ما يتسبب في تراجع المانحين عن تمويل إعمار هذه الدولة، وهو ما أوضحه مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) عندما أشار إلى أن الأمن شرط أساسي لتحقيق النتائج الناجحة لإعادة الإعمار.

(-) توافر الموارد: يُعتبر هذا المطلب الشرط الذي يلي تحقيق الأمن، فوفرة الموارد المالية الأساس الذي تُبنى عليه خطوات إعادة الإعمار اللاحقة، فالمانحون ينبغي أن يكونوا مستعدين لتوفير تمويل يتناسب مع احتياجات الاقتصاد والمجتمع، مع تقديم الدعم على المدى الطويل، لكن بالرغم من الأهمية الكبيرة لهذا الشرط يُمكن وصفه بأنه شرط ضروري غير كافٍ، بمعنى أنه يحتاج إلى مجموعة من المتطلبات الأخرى.

(-) التخطيط الجيد: يتكون هذا المطلب من مجموعة من العناصر التي تتمثل في إدارة صنع القرار، وتحديد المدى الزمني، والاحتياجات المحلية، فإدارة صنع القرار تتطلب فهم التعقيدات البيئية السياسية، وتنسيق المشروعات بفعالية، وإشراك مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة في المجتمع، بمعنى إشراك السكان المحللين في التخطيط والتنفيذ والتقييم، وهو ما يضمن دعم المشروعات المُنفذة.

ومن حيث المدى الزمني فإن عمليات إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع تُعد التزامًا طويل الأجل، لكن تبني حلول سريعة وإستراتيجية خروج من عمليات إعادة الإعمار في المستقبل القريب تُعد علامة إخفاق أساسية في إعادة الإعمار، فمن التجارب السابقة يُمكن القول إن الشركات الدولية ووكالات الإغاثة ترتفع حماسها في أول عامين بعد الحرب، لكن يتضاءل هذا الحماس في العام الثالث أو الرابع.

وفي عنصر الاحتياجات المحلية يتطلب الأمر تحديد دقيق للاحتياجات المُحددة للسكان المحللين، من السكن والخدمات الأساسية إلى تنمية الاقتصاد المحلي عبر تحفيز المشروعات المستدامة، التي تُعيد الاقتصاد إلى دائرة نشاطه.

دروس مستفادة

يُمكن الاستفادة من خطة مارشال في تجربة إعادة إعمار ألمانيا بعد الحروب العالمية على النحو التالي:

(-) تنمية الاقتصاد الحقيقي: يُعد نموذج إعمار ألمانيا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية من أهم الدروس المستفادة لأي خطة إعادة إعمار مُستقبلية، فبعد هذه الحروب شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في إعادة إعمار البلدان التي دمرتها، من خلال ضخ دفعة قوية للانتعاش الاقتصادي الأوروبي عن طريق توفير مليارات الدولارات من الغذاء والمواد الخام والسلع.

ويرجع نجاح هذه الخطة إلى أنها لم تقتصر فقط على إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب، خاصة في ألمانيا، بل تجاوز ذلك إلى استخدام الإدارة الأمريكية وحلفائها لقدرات وموارد هائلة، مع إدارة هذه الأموال بشكل خدم الاقتصاد الألماني بشكل كبير، إذ أسهمت الخطة في إعادة بناء المصانع وشبكات النقل، وتوفير المواد الخام اللازمة لعمليات التنمية الاقتصادية في ألمانيا.

فالتوجيه الجيد لأموال الخطة جعل هذه التجربة بمثابة المعجزة الاقتصادية في تاريخ إعادة الإعمار، وفي عام 1939 بلغ الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا نحو 400 مليار دولار، متجاوزًا الاتحاد السوفيتي ليصبح ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، لكن عام 1946 أي بعد 6 سنوات من الحرب، انخفض الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا إلى 160 مليار دولار فقط، أي أقل من المملكة المتحدة وفرنسا.

ولكن وفقًا للشكل (1) يتضح أن الاقتصاد الألماني تعافى بشكل كبير، إذ ارتفع مؤشر النشاط الاقتصادي من 14.20% عام 1960 إلى 59.07% في 1980، واستمرت موجات الارتفاع حتى بلغ المؤشر 92.60% عام 2024، وهو الأمر الذي يوضح تأثير خطة مارشال التي هدفت إلى إعادة إعمار الاقتصاد الألماني بشكل حقيقي.

الشكل (1) يوضح النشاط الاقتصادي في ألمانيا من 1960 إلى 2024 المصدر: الاحتياطي الفيدرالي

(-) تنظيم كُفء للأموال: أُديرت خطة مارشال من خلال جهد مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، تحت إشراف إدارة التعاون الاقتصادي الأمريكية "ECA"، إذ أنشأت الإدارة مُمثلًا دائمًا في أوروبا ووكالات خاصة في كل دولة مشاركة للإشراف على توزيع الأموال، إذ وُزعت المساعدات من خلال اتفاقيات ثنائية بين الولايات المتحدة وكل دولة مشاركة، وقد طُلب من الدول المستفيدة استخدام المساعدات لإعادة الإعمار الاقتصادي، فضلًا عن بيع السلع التي تلقتها للشركات المحلية، ما أدى إلى توليد "أموال مُقابلة" استخدمتها الحكومة الألمانية في الاستثمار من خلال بنوك التنمية الوطنية، مثل بنك "kfu".

يذكر هنا إلقاء الضوء على الصندوق الخاص لبرنامج إعادة هيكلة الموارد الاقتصادية "ERP"، الذي كان هدفه الأساسي استخدام الأرباح للترويج الاقتصادي، وتحول هذا الصندوق بموجب تشريع إلى صندوق دوار لقروض الاستثمار طويلة الأجل، التي صُممت في سبيل تعزيز الاقتصاد الألماني وإعادة تطويره، وما زال يُستخدم هذا الصندوق في الدعم الهيكلي للاقتصاد وتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو النموذج الذي لا بد أن يُحتذى به في عمليات إعادة الإعمار المُقبلة، خاصة إعادة إعمار قطاع غزة.

في النهاية يُمكن القول إن إدارة أموال إعادة الإعمار بعد الحروب والصراعات تُمثل حجر الزاوية في نجاح جهود التعافي وإعادة بناء الدولة، وفعالية هذه الإدارة تتطلب عزيمة قوية من مختلف الأطراف الفاعلين، المُتمثلين في مواطني الدول والمانحين الإقليميين والدوليين، فخدمة الاقتصاد المُنهار لا بد أن تكون هي الهدف الأول والأخير، حتى لا تكون هذه المرحلة فصلًا جديدًا من مراحل تفكك أجزاء الدولة وضياع اقتصادها.

ومن الجدير بالذكر هنا أن مرحلة إعادة الإعمار تحتاج إلى تنسيق فعلي لتوزيع المساعدات المختلفة، بما يخدم الدولة بعد نزيف الحرب الذي أصاب جميع قطاعاتها، كما يستلزم الأمر رقابة فعّالة على أموال إعادة الإعمار تتكون من لجنة مُتخصصة من الخبراء الاقتصاديين، تعمل على توظيف الأموال حسب الأولويات، ويُقلل من فرص الفساد والهدر المالي، ومن هنا تبرز أهمية تبني نهج تنموي مُستدام يوازي بين الإغاثة الفورية وإعادة بناء البنية التحتية وتعزيز الاقتصاد المحلي، وبذلك، فنجاح إدارة أموال إعادة الإعمار لا يُقاس فقط بإعادة بناء ما تهدم، بل بقدرة الدول والمجتمعات على بناء مستقبل أكثر استقرارًا ومناعة أمام الأزمات المُقبلة.