في الـ 15 من سبتمبر 2025، انعقدت القمة العربية الإسلامية الطارئة بالدوحة؛ لبحث العدوان الإسرائيلي على قطر الذي تم في التاسع من الشهر نفسه، وخرج البيان الختامي لهذه القمة يُدين بشكل قاطع العدوان الإسرائيلي على دولة قطر، ووصفه بأنه عدوان على جميع الدول العربية والإسلامية، وهو ما جعله يدعو إلى النظر في مدى توافق عضوية إسرائيل بالأمم المتحدة مع ميثاقها.
وتنفرد قمة الدوحة بأنها أول قمة تتحدث عن مراجعة العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل، وهو ما يطرح تساؤلًا حول إمكانية تراجع هذه العلاقات عن مستواها الحالي.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتطرق هذا التحليل إلى محاولة التعرف على مستوى العلاقات الاقتصادية العربية والإسلامية مع إسرائيل، فضلًا عن توضيح مجموعة من السيناريوهات المُحتملة حول هذا القرار، خاصة في ظل بداية خطة الهجوم البري على مدينة غزة.
تفنيد القرار
يُمكن التعرف على جوانب الدعوة إلى قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل، على النحو التالي:
(*) ماهية القرار: يُعني القرار الخاص بمراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل بدعوة الدول التي لديها روابط رسمية أو شبه رسمية مع إسرائيل لإعادة تقييم تلك الروابط، التي تتدرج من خطوات رمزية تتمثل في استدعاء السفراء وتعليق الزيارات، إلى خطوات عملية تتمثل في فرض قيود تجارية وإلغاء اتفاقيات.
وعليه يُمكن توصيف هذه الدعوة في البيان الختامي على أنها استنكارية ودعت إلى مراجعة وليس فرض قطع فوري موحد، ما يترك مساحة لتدرج في الإجراءات بين الدول المختلفة.
(*) مدى واقعيته: إن واقعية الدعوة إلى قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل تتوقف على العديد من المعايير، التي تتمثل في مدى قوة العلاقات وتشابكها في الوقت الحالي، فضلًا عن مدى توافر الإرادة السياسية العربية الإسلامية الموحدة نحو هذه الدعوة.
وبالتالي في ضوء هذه المعايير يُمكن القول لما كانت العلاقات العربية الإسرائيلية تغيرت في الوقت الحالي مقارنة بعهدها في السابق، فإنه يُمكن القول إن واقعية الدعوة محدودة في الوقت الحالي، فتنفيذها على أرض الواقع يحتاج إلى خطوات تأهيلية بين الدول العربية كافة، حتى يُمكن تجنُب الخسائر المُحتملة لهذا القرار، وهو ما اتضح من البيان الختامي للقمة فلم يتم بلورة آليات تنفيذ هذا البند بشكل صريح.
(*) انعكاس مستوى الحضور: على الرغم من المشاركة الواسعة في القمة من قادة الدول العربية والإسلامية، لكن عدم حضور قادة بعض الدول التي تربط علاقات تجارية مع إسرائيل، يؤثر على عدم شمولية تنفيذ القرار بين الدول العربية كافة.
المستوى الراهن للعلاقات
تتفاوت درجة العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل، التي يُمكن تقسيمها على النحو التالي:
(&) علاقة ارتباط قوية: ترتبط بعض الدول العربية والإسلامية بعلاقات اقتصادية قوية مع إسرائيل، التي تتخذ شكل علاقات تجارية واستثمارات متبادلة، وتُعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة أبرز شريك تجاري عربي مع إسرائيل، في عام 2024 بلغ حجم التجارة الثنائية بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل نحو 3.2 مليار دولار، بزيادة قدرها 11 % عن العام السابق، في إطار اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة "CEPA"، وهي اتفاقية تهدف إلى توسيع التجارة الثنائية غير النفطية إلى 10 مليارات دولار بحلول 2030.
وكما يوضح شكل (1) بلغت صادرات الإمارات لإسرائيل نحو 1.65 مليار دولار، في ظل إلغاء أكثر من 96% من الرسوم الجمركية بموجب اتفاقية التجارة الحرة، الأمر الذي يوضح أن تكلفة قطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل ستكون مُكلفة بشكل كبير لدولة الإمارات.
(&) علاقة ارتباط متوسطة: تقع معظم الدول العربية والإسلامية الباقية ضمن نطاق هذه العلاقة، إذ إن الدول التي تربطها اتفاقيات سلام مع إسرائيل، ترتبط بعلاقات اقتصادية بدرجة متوسطة معها.
إذ يوضح شكل (1) أن صادرات المغرب لإسرائيل بلغت نحو 61 مليون دولار، بعد أن بدأت تطبيع العلاقات الدبلوماسية، ديسمبر 2020، واستقبلت المغرب نحو 200 ألف سائح ومسافر إسرائيلي، عام 2022، فالسياحة قطاع أساسي للعلاقة بين البلدين.
وبحلول عام 2024، بلغ إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الإسرائيلية في المغرب نحو 637 مليون دولار، التي تتضمن حصة إسرائيل في شركة غايا إنرجي والمصانع الجديدة، والمشروعات المشتركة مثل اكتشاف النفط والغاز، وفي سبتمبر 2022، وقّع البلدان اتفاقية ثنائية لتعزيز التعاون في مجال الطاقة، وفبراير 2025 تم الترخيص لشركة إسرائيلية من أجل التنقيب عن الغاز الطبيعي، فضلًا عن المشروعات التعاقدية الكبرى التي تتضمن التزامات مالية مثل برامج بناء المستشفيات.
وفي الأردن بلغ حجم الصادرات إلى إسرائيل نحو 143 مليون دولار، عام 2024، التي ارتفعت من 84.1 مليون دولار، عام 2020، إذ إنه يوجد اتفاقية للتعاون التجاري والاقتصادي بين حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وحكومة إسرائيل.
وفي هذا النطاق ترتبط البحرين بعلاقات اقتصادية متوسطة مع إسرائيل، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والبحرين نحو 16.8 مليون دولار، يونيو 2024، وخلال الفترة من 2021 إلى 2024، بلغ حجم التبادل مع إسرائيل نحو 50.36 مليون دولار، وفي تونس بلغ حجم الواردات الإسرائيلية نحو 25.4 مليون دولار.
(&) علاقة ارتباط ضعيفة: وتشمل الدول العربية والإسلامية التي لا ترتبط مع إسرائيل بعلاقات اقتصادية أو استثمارية كبيرة، منها لبنان وليبيا والجزائر والعراق والمملكة العربية السعودية والكويت، وبالتالي فالدعوة لقطع العلاقات لن تكون ذا تكلفة مرتفعة على هذه الدول، لكن على الجانب الآخر من المُحتمل أن تتردد هذه الدول في اتخاذ هذا القرار في إطار التحركات الأمريكية.
سيناريوهات مُحتملة
يوجد ثلاثة سيناريوهات في دعوة قمة الدوحة إلى قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل، التي تتركز في النقاط التالية:
(-) السيناريو الأول (الاستجابة الكاملة والالتزام الجماعي): يتمثل هذا السيناريو في تبني معظم الدول العربية والإسلامية قرار قطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، ويحمل هذا السيناريو مجموعة من النتائج الإيجابية التي تتمثل في ضغوط اقتصادية قوية على إسرائيل، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة، ويُمكن القول إن هذا السيناريو لا بد أن يكون السيناريو الفعلي مع بدء جيش الاحتلال الإسرائيلي العملية البرية في غزة وإجبار الفلسطينيين على النزوح القسري.
وفي الناحية الأخرى تتمثل تحديات هذا السيناريو في خسائر مباشرة لبعض الاقتصاديات العربية حال عدم تعويضها للخسائر بتقوية العلاقات التجارية بين أشقائها العرب، وعلى الجانب الآخر من المُحتمل أن تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على فرض عقوبات على الدول المُنفذة، ومن هنا فهو سيناريو صعب المنال في الوقت الراهن في ظل عدم وجود خطة تكامل عربية إسلامية واضحة التنفيذ.
(-) السيناريو الثاني (الاستجابة الجزئية أو الانتقائية): الدول التي تقع في دائرة العلاقات الضعيفة مع إسرائيل ستلتزم بهذه الدعوة، بينما الدول التي تربطها علاقات متوسطة مع إسرائيل ستُنفذ هذه الدعوة تدريجيًا، خلال الفترات المقبلة، وتتمثل تحديات هذا السيناريو في أن الدول التي ستقطع العلاقات الإسرائيلية ستتعرض لخسائر.
(-) السيناريو الثالث (التراجُع عن التنفيذ): أن يبقى القرار في إطار التصريحات السياسية فقط، دون تطبيق فعلي على الأرض بسبب الضغوط الدولية أو المصالح الوطنية، لكن حال تحقق هذا السيناريو سيحدث فقدان للثقة الشعبية في القرارات الجماعية العربية.
وفي إطار هذه السيناريوهات يُمكن القول إن السيناريو الأقرب للواقع العربي في الوقت الراهن، هو السيناريو الثاني، فهناك دول عربية ارتباطها ضعيف مع إسرائيل مثل الجزائر والكويت والعراق، وبالتالي يُسهل عليها الالتزام بالقطع.
وفي المُقابل هناك دول تربطها اتفاقيات تجارية وتعاون اقتصادي ومشروعات مشتركة مع إسرائيل، فمن الصعب أن توقفها كليًا وبشكل فوري، وهناك بعض الدول التي ستكتفي بالقرارت الرمزية، مثل تجميد الزيارات الرسمية وتعليق اتفاقيات صغيرة دون المساس بالعقود الكبرى.
وبالتالي على الرغم أن الأثر الاقتصادي سيكون محدودًا على إسرائيل، لكنه سيحمل رسالة سياسية ومعنوية قوية، فوجود مثل هذه الدعوة بين الدول العربية ستؤرق الجانبين الإسرائيلي والأمريكي، وهو الأمر الذي يُعد تصعيدًا عربيًا في وجه العدوان الإسرائيلي وإن ما زال محدودًا.
وفي النهاية يُمكن القول إن الدعوة لقطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل تحمل دلالة سياسية قوية ورسالة تضامنية مع القضية الفلسطينية وقطر في أعقاب العدوان الإسرائيلي الغاشم على الدوحة، إلا أن تنفيذها عمليًا يواجه قيودًا اقتصادية كبيرة. فالتشابك الحالي في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار يجعل من الصعب على بعض الدول العربية تحمل التكلفة الفورية لهذا القرار دون وجود بدائل اقتصادية واضحة.
لذلك، تبدو الواقعية الاقتصادية للقرار محدودة وتتجه أن تكون قطعًا جزئيًا، فتنفيذ الدعوة على أرض الواقع يتطلب تحقُق مجموعة من المعايير، التي يتمثل أهمها في تواجد الإرادة السياسية العربية الإسلامية الموحدة في أن تكون العلاقات الاقتصادية بين العرب الأهم في الوقت الحالي، حتى يُمكنهم التخلي عن إسرائيل كشريك اقتصادي، الأمر الذي لا بد أن تعمل عليه الدول العربية في الفترات المقبلة، حتى يدفع الاحتلال الإسرائيلي ثمن جريمته الكُبرى في قطاع غزة.