الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

ما دلالات مذكرة التفاهم السياسية بين الصومال وجيبوتي؟

  • مشاركة :
post-title
الصومال وجيبوتي يوقعان مذكرة تفاهم بشأن المشاورات السياسية

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في 30 أغسطس 2025، وقّّع الصومال وجيبوتي مذكرة تفاهم في العاصمة الصومالية مقديشو؛ من أجل إنشاء آلية رسمية للمشاورات السياسية المنتظمة بين البلدين، بحضور وزير الخارجية والتعاون الدولي الصومالي عبد السلام عبدي علي، ونظيره الجيبوتي السفير عبد القادر حسين عمر، وتعكس هذه الخطوة رغبة الطرفين المشتركة في تعزيز العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستوى أكثر مؤسسية واستدامة.

ووفق ما أُعلن رسميًا، تهدف الاتفاقية إلى توسيع التعاون الدبلوماسي، ودعم الأولويات الإقليمية والعالمية، ومعالجة القضايا المشتركة التي تهم البلدين مثل الأمن في القرن الإفريقي، والاستقرار السياسي، ومواجهة التحديات العابرة للحدود، ويُعد مضمون الاتفاقية مؤشرًا على إدراك القيادتين في مقديشو وجيبوتي أن التنسيق السياسي والدبلوماسي بات ضرورة ملحة لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالمنطقة. ومن هنا يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم باعتبارها أكثر من مجرد اتفاق ثنائي، بل جزء من إعادة صياغة الأدوار الإقليمية في القرن الإفريقي.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للتعرف على دلالات مذكرة التفاهم الموقعة بشأن المشاورات السياسية بين الصومال وجيبوتي.

دلالات متعددة

تتجاوز مذكرة التفاهم مجرد كونها وثيقة بروتوكولية، فهي تحمل جملة من الدلالات على مستويات عدة، يتمثل أبرزها في:

(*) الارتقاء لمستوى الشراكة المؤسسية: مَرَت العلاقات بين الصومال وجيبوتي بفترات من التعاون المرتبط بظروف محددة، مثل مواجهة تهديد القرصنة أو التعامل مع أزمة اللاجئين أو دعم جهود الوساطة في النزاعات، لكن هذه الجهود غالبًا ما كانت مؤقتة ولا تستند إلى إطار دائم يضمن استمراريتها. فتوقيع مذكرة التفاهم يعكس تحولًا نوعيًا من هذا الطابع الظرفي إلى إقامة آلية مؤسسية قائمة على التشاور الدوري، ما يعني أن البلدين أصبحا ينظران إلى التعاون باعتباره خيارًا إستراتيجيًا طويل المدى، لا مجرد رد فعل للأحداث، وتمثل هذه النقلة خطوة مهمة لتقليل فجوات التنسيق التي عانت منها المنطقة في العديد من الأزمات.

(*) إعادة تعريف العلاقات الصومالية الجيبوتية: لطالما كانت العلاقة بين الصومال وجيبوتي محكومة بالاعتبارات الجغرافية بحكم الحدود والقرب المكاني، فضلًا عن الروابط البشرية والقبلية المتداخلة، لكن مذكرة التفاهم تنقل هذه العلاقة إلى مستوى جديد يجعلها شراكة إستراتيجية قائمة على إدراك أن أمن أي من الدولتين لا يمكن فصله عن الآخر، فجيبوتي -باعتبارها مركزًا عسكريًا دوليًا وقاعدة لوجستية مهمة- تحتاج إلى استقرار الصومال حتى لا تتحول حدودها إلى مصدر تهديد دائم. وفي المقابل يرى الصومال في جيبوتي شريكًا موثوقًا يدعمه في المحافل الإقليمية والدولية، وهذا الإدراك المتبادل يعيد صياغة العلاقات الثنائية كتحالف إستراتيجي أكثر منه مجرد علاقة جوار.

(*) ترسيخ حضور الطرفين في القرن الإفريقي: يشكل القرن الإفريقي أحد أكثر الأقاليم حساسية في العالم نظرًا لموقعه الجيوسياسي المُطِل على مضيق باب المندب، ولكونه مسرحًا لصراعات إقليمية ودولية متشابكة، وفي ظل تنافس قوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين على النفوذ في المنطقة، تسعى الدول الصغيرة والمتوسطة إلى تثبيت موقعها كأطراف مؤثرة.

وتمنح مذكرة التفاهم الصومال وجيبوتي مساحة أوسع للعب دور فاعل في إعادة رسم خريطة التوازنات الإقليمية، إذ تعكس استعداد الطرفين للتحرك ككتلة واحدة تعزز نفوذهما وتحد من محاولات تهميشهما من قبل القوى الأكبر.

(*) تهيئة أرضية لتحالف إقليمي مشترك: لا يقتصر التوقيع على آلية للتشاور، بل يؤسس لإمكانية صياغة مواقف متقاربة إزاء القضايا الدولية، سواء تلك المتعلقة بالأمن البحري في خليج عدن والبحر الأحمر، أو ملفات مكافحة الإرهاب، أو النزاعات داخل القرن الإفريقي نفسه، مثل الوضع في إثيوبيا وأرض الصومال (صومالي لاند). ويعزز هذا التوافق من القدرة التفاوضية للبلدين في المحافل الدولية، إذ يمْكِنهما التحدث بصوت واحد، ما يمنحهما وزنًا مضاعفًا مقارنة بالتحرُك المنفرد، كما يشكل ذلك فرصة لبلورة دبلوماسية مشتركة قد تصبح لاحقًا نواة لتحالف أوسع يضم دولًا أخرى في الإقليم.

(*) إرسال رسائل طمأنة بشأن الأمن الإقليمي: تحمل المذكرة بُعدًا رمزيًا لا يقل أهمية عن مضمونها، فهي تبعث برسالة إلى الداخل والخارج بأن دول القرن الإفريقي قادرة على إطلاق مبادراتها الذاتية لتعزيز الأمن والاستقرار، بدلًا من الاعتماد على حلول خارجية، وهذا البُعد يعكس رغبة في إعادة تعريف صورة المنطقة أمام المجتمع الدولي باعتبارها ليست مجرد بؤرة أزمات، وإنما ساحة محتملة للتعاون الإقليمي، كما أن التوقيع يرسل إشارة إلى القوى المجاورة -مثل إثيوبيا وإريتريا- بأن التعاون الثنائي بين الصومال وجيبوتي يمكن أن يشكل نموذجًا بديلًا عن الصراع والتنافس.

انعكاسات محتملة

إن النتائج المحتملة لمذكرة التفاهم عديدة، وتتنوع بين انعكاسات مباشرة على العلاقات الثنائية، وأخرى غير مباشرة على البيئة الإقليمية والدولية، فمن المرجح:

(*) تطوير آليات التشاور السياسي الإقليمي: إن توقيع مذكرة التفاهم المشتركة، يفتح الباب لتوسيع التجربة نحو إرساء تقاليد جديدة في العمل الدبلوماسي داخل القرن الإفريقي، فعلى الرغم من وجود منظمات إقليمية مثل "إيجاد"، إلا أن آلياتها غالبًا ما تتسم بالبطء والتعقيد، وقد تصبح مذكرة الصومال وجيبوتي نموذجًا يُحتذى به، ما يشجع دولًا أخرى مثل كينيا أو إثيوبيا على الدخول في تفاهمات مماثلة ويقلل احتمالات الانزلاق نحو الصدامات المسلحة.

(*) توسيع دائرة النفوذ في البحر الأحمر وباب المندب: إن الموقع الجغرافي لكل من جيبوتي والصومال يمنحهما قدرة فريدة على التأثير في أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وعبر هذه المذكرة، يمكن للبلدين تنسيق جهودهما في قضايا مثل مكافحة القرصنة وحماية خطوط الملاحة ومراقبة التحركات العسكرية الأجنبية في المنطقة. وقد تضطر الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والصين -التي تمتلك قواعد عسكرية في جيبوتي- إلى التعامل مع موقف موحد بدلًا من مقاربة كل دولة على حدة، وهو ما قد يمنح مقديشو وجيبوتي مساحة أكبر للتأثير في السياسات الأمنية الدولية بالمنطقة.

(*) كبح العمليات الإرهابية بالمنطقة: يعاني الصومال منذ سنوات من تهديد حركة شباب المجاهدين، بينما تمثل جيبوتي قاعدة أساسية لقوات الاتحاد الإفريقي الداعمة للجيش الصومالي، ومن خلال آلية التشاور الجديدة، يمكن تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين، بما يزيد من فاعلية الجهود الإقليمية في مواجهة التنظيمات المتطرفة، وقد تنتقل الحرب على الإرهاب من مجرد تعاون عسكري إلى تعاون سياسي شامل.

ختامًا، يمكن القول إن مذكرة التفاهم المُوقّعة بين الصومال وجيبوتي، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خطوة بروتوكولية في سِجِل العلاقات الثنائية بين البلدين، بل تمثل محطة فارقة تحمل في طياتها دلالات عميقة تتجاوز الشكل إلى المضمون، فالمذكرة تشير أولاً إلى وعي البلدين بضرورة بناء آلية مؤسسية دائمة تضمن استمرار التشاور والتنسيق، بعيدًا عن منطق الاجتماعات الطارئة أو المبادرات الظرفية التي كثيرًا ما فشلت في مواجهة تعقيدات منطقة القرن الإفريقي، كما أنها تكشف عن رغبة الطرفين في صياغة خطاب دبلوماسي موحد يعزز من قدرتيهما على التفاعل مع القضايا الدولية والإقليمية، ومن زاوية أخرى تعكس المذكرة إدراكًا بأن مستقبل استقرار القرن الإفريقي مرهون بالتعاون بين دوله الأساسية، وعلى رأسها الصومال وجيبوتي اللتان تجمعهما روابط جغرافية وبشرية وتاريخية لا تسمح بأي تباعُد إستراتيجي.