في الحرب الإسرائيلية على غزة، أصبح مشهدًا مألوفًا أن يهرع مسعفون وصحفيون إلى موقع استهدفته قوات الاحتلال. لكن هذه المرة، وبينما كانوا يتجمعون عند درج مستشفى ناصر المدمر، حاملين نقالات وكاميرات، ضربت إسرائيل مجددًا، ما فاقم من هول المذبحة، واستشهد من يحاولون تقديم المساعدة والتوثيق.
وتصاعدت الاحتجاجات العالمية، أمس الثلاثاء، بسبب هذه "الضربة المزدوجة" على أكبر مركز طبي متبق في غزة، التي تم تصويرها بالفيديو من قبل قنوات تليفزيونية كانت تسجل جهود الإنقاذ من الصاروخ الأول، عندما ضرب الصاروخ الثاني. واستشهد ما لا يقل عن 20 شخصًا، بينهم 5 صحفيين كانوا يعملون لصالح وسائل إعلام مختلفة.
وطالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، بإجراء تحقيق مستقل في الضربة الإسرائيلية، في حين قال الرئيس دونالد ترامب، إنه "غير سعيد بهذا الأمر".
ومنعت إسرائيل المنظمات الإخبارية الغربية من دخول غزة، باستثناء جولاتها الدورية التي ترافقها قوات الاحتلال، ما تركها تعتمد على الصحفيين الفلسطينيين داخل القطاع. وتقول لجنة حماية الصحفيين، إن 192 صحفيًا استشهدوا خلال الحرب، واعتقال 90، فيما وصفته بأنه "أفظع الهجمات التي واجهتها الصحافة في التاريخ الحديث".
وحسب شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية، هذه ليست المرة الأولى التي تنفذ فيها إسرائيل هجومًا بتكتيك "النقر المزدوج"، إذ تصيب الهدف نفسه مرتين متتاليتين.
وقالت جانينا ديل، أستاذة في جامعة أكسفورد بإنجلترا، المديرة المشاركة لمعهد أكسفورد للأخلاق والقانون والصراع المسلح، إن عبارة "الضرب المزدوج" ليست مصطلحًا قانونيًا رسميًا، ولا تظهر في اتفاقية جنيف، لكن ضرب الأشخاص المعروفين بأنهم أشخاص محميون عمدًا، مثل المسعفين، يشير إلى ادعاء ارتكاب جريمة حرب.
وصرحت "ديل" لشبكة إن بي سي نيوز، بأن تكتيك الضربات المزدوجة لا يتوافق مع سلوك قوة عسكرية محترفة ومدربة قانونيًا. وقالت في رسالة إلكترونية، إن "المشكلة الأخلاقية الأكبر" تكمن في "أنه من الخطير للغاية استغلال رغبة الأفراد في أداء واجباتهم الأخلاقية في الإنقاذ -مساعدة المتضررين من الضربة الأولى- لقتلهم".
وأضافت أن "الضربات المزدوجة لا تعني بالضرورة ارتكاب جريمة حرب فحسب، بل يجب استنكار هذا التكتيك وإدانته أخلاقيًا".
قليل من الجيوش من يعترف باستخدام "الضربات المزدوجة" كتكتيك علني، وإسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي يزعم أنها فعلت ذلك. عام 2012، وجد مكتب الصحافة الاستقصائية أن ضربات بطائرات مسيّرة تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في باكستان، بين عامي 2009 و2012، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 50 مدنيًا في ضربات لاحقة عندما ذهبوا لمساعدة الضحايا.
وفي الشهر الماضي، نشرت مجلة "+972" الإسرائيلية تحقيقًا، شمل مقابلات مع مصادر أمنية إسرائيلية، خلص إلى أن الضربات المزدوجة أصبحت إجراءًا قياسيًا بغزة في أثناء الحرب.
في بيان نشر على منصة" إكس"، زعم الجيش الإسرائيلي أن تحقيقًا أوليًا أظهر أن القوات رصدت كاميرا في المستشفى "كانت تستخدم لمراقبة نشاط القوات الإسرائيلية، بهدف توجيه أنشطة إرهابية ضدهم".
وأضاف أن "القوات عملت على إزالة التهديد بتدمير الكاميرا وتفكيكها".
البيان الإسرائيلي، الذي لم يتطرق إلى الغارة الثانية على المستشفى، ذكر أيضًا أن رئيس الأركان أمر بالتحقيق في "ثغرات عديدة"، بما في ذلك "إجراءات التفويض" قبل القصف، والذخيرة المستخدمة والتوقيت. ثانيًا، سينظر التحقيق في "عملية اتخاذ القرار ميدانيًا".
وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أن دبابة إسرائيلية أطلقت النار في هجوم الاثنين الماضي، على ما اشتبه الجنود في أنه كاميرا مراقبة تابعة لحماس على سطح المستشفى، وتبعتها بأخرى للتأكد من إصابتها.
وقال مسؤول كبير في حماس لشبكة "إن بي سي نيوز"، إن الحركة لم تكن تستخدم كاميرا في محيط المستشفى. وقال عضو المكتب السياسي للحركة باسم نعيم: "إذا كان هذا الادعاء صحيحًا، فهناك العديد من الوسائل لتحييد هذه الكاميرا دون استهداف منشأة صحية بقذيفة دبابة"، مشيرًا إلى أنه لو كانت هناك كاميرا، لكان بإمكان جيش الاحتلال الاتصال بطاقم المستشفى، وطلب إزالته.
وأفاد مدير المستشفى الدكتور محمد زقوت، بأن الضربة الأولى، وقعت بعد الساعة العاشرة صباحًا بالتوقيت المحلي، وأصابت الطوابق العليا من مستشفى ناصر، إذ كان الأطباء والمرضى والمتدربون في قسم العمليات.
في ذلك الوقت، كان عدد من الصحفيين يصعدون الدرج، كعادتهم، للحصول على إشارة لإرسال تقاريرهم والتواصل مع عائلاتهم، وفقًا لشهود عيان. قتل في تلك الغارة الأولى مصور "رويترز" حسام المصري، الذي ذكرت وكالة الأنباء أنه كان يجري بثًا تلفزيونيًا مباشرًا في الطوابق العليا من المستشفى آنذاك.
كان حاتم عمر، البالغ من العمر 42 عامًا، أحد الصحفيين الذين هرعوا إلى موقع الحادث. قال للصحفيين: "صعدت الدرج، وكان معي عدد كبير من الصحفيين والمسعفين. ثم وقعت الضربة الثانية".
قال عمر: "رأيت الدماء في كل مكان في الموقع. كان الدرج خارج المستشفى يعج بالمسعفين، وبالمدنيين، وبالناس الذين هرعوا للمساعدة، وكان المكان مليئًا بالغبار. وحول الانفجار الثاني المنطقة إلى مشهد صامت متجمد، وكأن صدور الجميع هناك سحقت".
في الخارج، تم وضع جثامين الصحفيين الذين استشهدوا (حسام المصري، ومريم دقة، ومحمد سلامة، وأحمد أبو عزيز، ومعاذ أبو طه) جنبًا إلى جنب، رفقة كاميراتهم وستراتهم الملطخة بالدماء، التي تحمل كلمة صحافة.