في مشهد يعكس عُمق العلاقات التاريخية والإنسانية بين مصر والسودان، انطلق صباح اليوم الأحد، خامس قطار مخصص للعودة الطوعية للمواطنين السودانيين، حيث انطلق القطار رقم 1940 من محطة رمسيس بالقاهرة متجهًا إلى أسوان، وعلى متنه مئات الركاب الراغبين في العودة إلى وطنهم"، وسط تنظيم دقيق وترتيبات إنسانية لافتة.
هنا، لم تكن مصر مجرد محطة لجوء، بل كانت حضنًا دافئًا، واليوم، تتحول إلى جسرٍ ممتد يعيد أبناء النيل إلى ضفافهم الأولى.
صباح اليوم، السابع عشر من أغسطس 2025، وفي تمام الساعة الحادية عشرة، أطلق القطار رقم 1940 صفارته متوجهًا من القاهرة إلى أسوان، مرورًا بمحافظات صعيد مصر، في رحلة تُمثّل امتدادًا لمبادرة مصرية بدأت مطلع يوليو الماضي، وتهدف إلى دعم الأشقاء السودانيين في ظل الأزمة الإنسانية التي تعصف ببلادهم منذ أكثر من عام.
الرحلة الجديدة تأتي ضمن خطة شاملة تنفّذها الحكومة المصرية بالتنسيق بين وزارة النقل والهيئة القومية لسكك حديد مصر، وتشمل تشغيل قطارات مخصصة مجانًا لنقل السودانيين من القاهرة حتى أسوان، ثم استكمال المرحلة النهائية عبر ميناء السد العالي النهري باستخدام بواخر نهرية تصل إلى مدينة وادي حلفا في شمال السودان، ومنها يتمكنون من استكمال طريقهم إلى مدنهم المختلفة داخل السودان.
على متن القطار، لم تُترك أي تفاصيل للمصادفة.. أكثر من 1100 وجبة غذائية تم تجهيزها، وفرق طبية متنقلة تجوب العربات، ومنظمون يحرصون على أن تكون الرحلة آمنة وميسرة. لم تكن مجرد خدمات لوجستية، بل كانت رسائل طمأنة بأن هؤلاء العائدين ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات النزوح، بل هم "أشقاء" في رحلة كرامة.
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، استقبلت مصر أكثر من 1.5 مليون مواطن سوداني، لتصبح الوجهة الأولى للاجئين السودانيين، ورفضت السلطات المصرية منذ البداية التعامل معهم بمنطق "اللاجئين"، وفتحت أمامهم المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية دون تمييز، تأكيدًا على العلاقة الخاصة بين البلدين التي تتجاوز الأعراف الدبلوماسية والسياسية، إلى روابط الجيرة والتاريخ والنيل والمصير المشترك.
وقد شهدت محطات المغادرة خلال الرحلة الخامسة مشاهد إنسانية مؤثرة، حيث ارتدى عدد من المغادرين قبعات طُبعت عليها عبارة "شكرًا مصر"، ورفع آخرون لافتات تعبّر عن امتنانهم للشعب المصري والدولة على حُسن الضيافة والتعامل الأخوي.
القطار لا يُعد وسيلة مواصلات فقط، بل رمز للسياسات الإنسانية التي تتبناها الدولة المصرية تجاه محيطها الإفريقي والعربي، حيث تمثل هذه المبادرة واحدة من عدة خطوات اتخذتها القاهرة للتخفيف من تداعيات الأزمة السودانية، في وقت تعاني فيه منظمات الإغاثة من نقص التمويل وتراجع الدعم الدولي.
الرحلة جاءت أيضًا تتويجًا لحالة من التنسيق المستمر بين السفارة السودانية في القاهرة، والجهات التنفيذية المصرية، حيث تم تحديد أسماء الراغبين في العودة طوعًا، وتيسير حركتهم على مدار عدة أيام، ضمن جدول منظم يُراعى فيه ظروف كل حالة.
العلاقات المصرية السودانية، التي طالما ارتكزت على مبادئ الجوار والمصالح المشتركة، تثبت في كل أزمة أنها أقوى من الأحداث العابرة. فما يجمع بين الشعبين من نهرٍ واحد وهوية متقاربة وتاريخ سياسي مشترك، يجعل من مثل هذه المبادرات أكثر من مجرد استجابة لأزمة، بل استمرارًا لمسار ثابت من الاحتواء والمساندة.
فمصر، ومنذ عقود، كانت دائمًا ملجأ طبيعيًا لأشقاء السودان في أوقات الحرب والسلام، واليوم تؤكد من جديد أنها لا تترك ظهرًا مكشوفًا ولا تستقبل ضيفًا إلا وتمنحه مقام الأخ والصديق.
رغم أنّ وجهة القطار كانت نحو الحدود، فإن الروح التي رافقت الرحلة لم تكن وداعية بقدر ما كانت امتدادًا للعلاقة العميقة بين البلدين.
اللافتات التي حملها الركاب لم تكن مجرّد كلمات شكر، بل رسائل سياسية وإنسانية تقول إن مصر حين تفتح أبوابها، تفتح قلبها أيضًا، وحين تودّع، تفعل ذلك برقيّ الأمم التي تعرف معنى الأخوة حقًا.