تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوسيع نطاق تعدين الفحم في الولايات المتحدة، مع استمرار تقليص العمالة في الوكالات الفيدرالية المكلفة بضمان صحة وسلامة عمال المناجم في الوقت نفسه، وهو ما ترك بعض المؤيدين "في حالة من الذهول"، حسب تعبير صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
وتأثرت الوكالات التي تحمي عمال مناجم الفحم من المخاطر المهنية الخطيرة، بما في ذلك الحالة المعروفة باسم "الرئة السوداء"، بالتخفيضات الحكومية الكبرى التي فرضها البيت الأبيض ووزارة كفاءة الحكومة التي يديرها حليف الرئيس، الملياردير إيلون ماسك.
وتنقل الصحيفة البريطانية تعليق إيرين بيتس، المتحدثة باسم نقابة عمال المناجم الأمريكية، على سلسلة الأوامر التنفيذية التي وقّعها الرئيس لتوسيع نطاق تعدين الفحم: "إن نقابة عمال المناجم الأمريكية سعيدةٌ جدًا بتطلعها إلى مستقبل الفحم، ولكن إذا لم تُحافظوا على صحة وسلامة عمال المناجم، فلن يكون هناك من يعمل في المناجم التي يُفترض أنكم تعيدون فتحها".
العودة إلى الفحم
الأسبوع الماضي، وقع ترامب على مجموعة من التدابير التي قال إنها ستوسع نطاق تعدين الفحم في الولايات المتحدة؛ من أجل تلبية احتياجات الطاقة لمراكز البيانات المتعطشة لتشغيل برامج الذكاء الاصطناعي.
وقال الرئيس الأمريكي أمام حشد من المشرعين والعمال والمديرين التنفيذيين في البيت الأبيض أثناء توقيعه الأمر التنفيذي الجديد: "جميع المصانع التي أُغلقت ستُفتح إذا كانت حديثة بما يكفي، وإلا فسيتم هدمها وبناء مصانع جديدة كليًا".
وأكد بحماس: "سنعيد عمال المناجم إلى العمل".
وكانت صناعة الفحم شهدت انكماشًا حادًا في السنوات الأخيرة، وهي لا تمثل الآن سوى حوالي 15% من الطاقة المُولَّدة لشبكة الكهرباء الأمريكية.
كما أثبتت مصادر الطاقة، مثل الغاز الطبيعي وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، تفوقها التنافسي على الفحم، مما ساهم في تراجعه، نظرًا لانخفاض تكلفة تشغيل محطات توليد الطاقة، وفقًا لموقع Inside Climate News.
وتشير "ذا جارديان" إلى أنه "حتى مع انكماش تعدين الفحم، لا تزال المخاطر المُحتملة على العاملين فيه مرتفعة"، حيث يُعدّ التهاب الرئة من أشهر المخاطر المهنية التي يواجهها عمال مناجم الفحم، ولكنه ليس الخطر الوحيد الذي يواجهونه؛ إذ تشمل المخاطر الأخرى انهيار أسقف وجدران المنجم، وفقدان السمع، وسرطان الرئة.
وجاء حديث ترامب عن الفحم بعد أقل من أسبوع من فرض وزير الصحة، روبرت كينيدي الابن، تخفيضًا قدره 10,000 وظيفة في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الفيدرالية.
ومثلت التخفيضات التي أشرف عليها كينيدي، إلى جانب التي فرضها "نائب الرئيس غير الرسمي" إيلون ماسك، الاستغناء عمّا يقرب من ربع القوى العاملة في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، والبالغ عددها 82,000 موظف.
وتم فصل ما يقرب من 900 من هؤلاء العمال من المعهد الوطني للصحة والسلامة المهنية (NIOSH)، بما في ذلك قسم الصحة التنفسية التابع للوكالة في ولاية فرجينيا الغربية، والذي أشرف تحديدًا على برنامج فحص الأشعة السينية للكشف عن مرض الرئة السوداء.
كما واصلت وزارة كفاءة الحكومة التخفيضات في سلامة المناجم، من خلال إلغاء 34 مكتبًا إقليميًا لإدارة السلامة والصحة في المناجم (MSHA) في 19 ولاية.
غبار السيليكا
في الوقت الحالي، تريد إدارة ترامب إيقاف العمل بقاعدة جديدة بشأن "غبار السيليكا"، الذي يسبب نوعًا من مرض "الرئة السوداء" الذي يُصيب بشكل متزايد عمال المناجم الباحثين عن عروق الفحم التي يصعب الوصول إليها.
و"السحار السيليسي" هو مرض يحدث بسبب استنشاق "غبار السيليكا"، وهو أحد أشكال التهاب الرئة الذي يمكن أن يكون أكثر خطورة من مرض الرئة السوداء الذي ظهر قبل قرن من الزمان، والذي من المعروف منذ فترة طويلة أنه يضر بصحة عمال مناجم الفحم.
وكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على دراية بمخاطر "غبار السيليكا" لعقود، وأوصت بتخفيضات كبيرة في مستويات التعرض له منذ عام 1974.
وفي أبريل 2024، أنهت إدارة السلامة والصحة في المناجم (MSHA) وضع قاعدة للحد من التعرض لـ"غبار السيليكا" في المناجم، وكان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ هذا العام.
لذا، في الأسبوع الماضي، رفعت الجمعية الوطنية للحجر والرمال والحصى دعوى قضائية؛ سعيًا لإيقاف تطبيق قاعدة غبار السيليكا ريثما تُبتّ في دعوى قضائية.
وبعد أيام، أبلغت الجهات التنظيمية الفيدرالية للمناجم المحكمة برغبتها في إيقاف تطبيق قاعدة "غبار السيليكا" في عمليات تعدين الفحم لمدة أربعة أشهر؛ مما يُؤجّل أي إجراءات إنفاذ حتى أغسطس 2025.
ونقلت "ذا جارديان" عن محامي نقابات المناجم والصلب أن "التحول المفاجئ في موقف التقاضي الذي أشارت إليه، وقفة التنفيذ، التي اتخذتها إدارة السلامة والصحة في المناجم، واقتراحها الأحادي الجانب بتعليق هذه القضية لمدة أربعة أشهر، هو بمثابة دعوة واضحة إلى عمال المناجم في هذه الأمة بأن الوكالة المكلفة بالمسؤولية العميقة عن حماية صحتهم وسلامتهم تفقد الشجاعة للقتال من أجل الدفاع عن قواعدها الخاصة".