الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تصعيد محتمل.. قراءة في هجوم حركة الشباب قُرب مطار مقديشو

  • مشاركة :
post-title
مطار مقديشو

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في 6 أبريل 2025، نفَّذت حركة شباب المجاهدين الصومالية هجومًا إرهابيًا استهدف مطار آدم عدي الدولي في مقديشو، باستخدام قذائف هاون، وأسفر الهجوم عن سقوط قذيفتين أو ثلاث قذائف في منطقة مفتوحة بالمطار، ما أدى إلى تعطيل بعض الرحلات الجوية الدولية، وتم تحويل مسار طائرة تركية إلى جيبوتي، وألغت شركة مصر للطيران رحلتها لهذا اليوم.

وعلى الرغم من عدم وقوع إصابات بشرية، فإن الهجوم -وفقًا للمراقبين- يعكس تصعيدًا أمنيًا محتملًا في الصومال خلال الفترة المُقبلة، ويشير أيضًا هذا الهجوم إلى قدرة حركة الشباب على ضرب أهداف حيوية في قلب العاصمة.

ويأتي الهجوم بعد أسابيع من محاولة فاشلة لاستهداف موكب الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ما يبرز التهديد المستمر الذي تشكِّله حركة الشباب على الحكومة الصومالية، كما استهدفت الحركة معسكر هالاني، ما يسلط الضوء على تعقيد الأوضاع الأمنية في البلاد، فالهجوم ليس مجرد حادث أمني عابر، بل يحمل في طياته دلالات عميقة ورسائل متعددة الاتجاهات، سواءً على الصعيد الداخلي أو الإقليمي والدولي.

هجوم حركة الشباب المنفذ قرب مطار مقديشو

تأسيسًا على ما سَبَق، يقدم التحليل قراءة في هجوم حركة شباب المجاهدين الصومالية المُنَفَّذ قُرب مطار مقديشو.

رسائل متعددة

من خلال هذا الهجوم، تسعى حركة الشباب إلى إرسال رسائل متعددة، مفادها:

(*) أن المجتمع الدولي الداعم الرئيس للحكومة لم يعد في مأمن على الأراضي الصومالية: من خلال استهداف محيط معسكر هالاني شديد التحصين، توجِّه حركة الشباب رسالة صريحة مفادها أن التدخل الدولي، سواءً كان إنسانيًا أو سياسيًا أو عسكريًا، يُعدّ هدفًا مشروعًا في حساباتها القتالية، فهي لا تنظر إلى هذا الوجود بوصفه داعمًا للاستقرار، بل كـ"خصم مباشر" ومصدر تهديد لمشروعها الأيديولوجي. ويمثل هذا الهجوم تهديدًا مبطنًا للدول المشاركة في دعم الحكومة الصومالية، سواءً عبر تمثيل دبلوماسي، أو عبر بعثات عسكرية مثل ATMIS، أو منظمات دولية مثل الأمم المتحدة. فالمعسكر يُعدّ نقطة ارتكاز دولية في العاصمة، ووجوده يُجسِّد التزامًا دوليًا باستمرار دعم مؤسسات الدولة الصومالية.

وبالتالي، فإن توجيه القصف إليه أو قربه يُعدّ تحركًا تكتيكيًا مدروسًا، يهدف إلى بثّ الذعر، ودفع الجهات الدولية إلى إعادة النظر في حجم وجودها أو تقليص أنشطتها تدريجيًا، الأمر الذي من شأنه أن يُضعف الحكومة سياسيًا، ويُفقدها غطاءها الأمني والدبلوماسي.

معسكر هالاني.. قلب الوجود الدولي في مقديشو

(*) أن رموز السيادة الصومالية، بما في ذلك المنشآت الحيوية مطار آدم عدي الدولي، ليست بمنأى عن الاستهداف: إن اختيار مطار آدم عدي الدولي لم يكن صدفة، بل تَحرُك محسوب يحمل دلالات استراتيجية، فاستهداف هذه المنشأة، التي تُعدّ الرمز السيادي الأبرز في قلب العاصمة يُشكِّل رسالة واضحة مفادها أن الحكومة الصومالية عاجزة عن تأمين أعمدة سيادتها الوطنية، وأن المجتمع الدولي الذي يعتمد على هذا المطار كمنفذ أساسي للتواصل مع الصومال، لم يعد بمنأى عن الخطر.

هذا الاستهداف لا يُقوِّض فقط هيبة الدولة، بل يُزعزع ثقة الشركاء الدوليين بقدرتهم على حماية بعثاتهم وتأمين البنية التحتية الحيوية، خصوصًا أن المطار يُمثل عصبًا حيويًا للتواصل الدبلوماسي والاقتصادي، ويتم الاعتماد عليه في إيصال المساعدات الإنسانية وتنقّل المنظمات الدولية، وكان لتحويل مسار الطائرة التركية، وإلغاء رحلة "مصر للطيران"، أثر بالغ في تعطيل الحركة الجوية، ما يُشكِّل ضربة تكتيكية تهدف إلى شلّ جزء من البنية التحتية للدولة، وبثّ القلق في أوساط المستثمرين والجهات المانحة، في توقيت شديد الحساسية سياسيًا وأمنيًا.

(*) أن الهيكل الأمني للدولة هشّ وقابل للاختراق في أي لحظة: جاء هذا الهجوم في سياق تصعيدي ممنهج، أعقب محاولة اغتيال فاشلة استهدفت موكب الرئيس الصومالي في 18 مارس 2025 من قِبَل حركة الشباب، عبر تفجير عبوة ناسفة، في واقعة لم تُسفر عن إصابات، لكنها شكَّلت ضربة رمزية عميقة، كاشفةً عن مدى اختراق حركة الشباب للمشهد الأمني، وقدرتها على تهديد أعلى هرم السلطة.

ومن خلال هذا التصعيد المتكرر، تُمعن الحركة في استهداف هيبة القيادة السياسية، وتزداد خطورة الهجوم بتزامنه مع العمليات العسكرية المستمرة في الأقاليم الجنوبية، التي تشهد مواجهات دامية بين القوات الحكومية والميليشيات المتطرفة، وتُبرز هجمات الهاون المتواصلة التي تشنها الحركة، رغم الوجود الأمني ​​المكثف، هشاشة قبضة القوات الصومالية وداعميها الدوليين على العاصمة.

سيناريوهان محتملان

يطرح الهجوم الأخير لحركة الشباب المجاهدين الصومالية سيناريوهين محتملين للتعامل مع التطورات الأمنية والسياسية القادمة، هما:

(*) استمرار التصعيد العسكري: من المحتمل أن تستمر حركة الشباب في تكثيف هجماتها ضد الحكومة الصومالية ومؤسساتها الحيوية، مثل المرافق الحكومية والمطارات، وهذا التصعيد قد يهدف إلى زيادة الضغط على الحكومة وتأكيد قدرة الحركة على تحدي سلطتها في العاصمة مقديشو.

وتداعيات هذا السيناريو ستكون بالغة، إذ سيؤدي إلى زيادة الاحتقان الداخلي، وتوسع دائرة العنف، ما قد يزيد من معاناة المدنيين ويؤثر على الاستقرار السياسي في الصومال.

(*) مواصلة الحكومة ملاحقة خلايا حركة الشباب السرية: من المحتمل أن تركز الحكومة في الفترة المقبلة على تكثيف الحملات الأمنية ضد حركة الشباب تحديدًا الخلايا السرية، وخاصة مع تنفيذ عملية في منطقة عيلك نور غادو بإقليم شبيلي الوسطى، في يوم الخميس 10 أبريل 2025، أسفرت عن مقتل عدد من مسلحي الحركة الذين كانوا في مهمة لجلب المياه من إحدى الآبار، كما شن الجيش هجومًا كبيرًا في منطقة هيران بعد تسلل مسلحين من الحركة إلى منطقة أبوري، حيث يواصل الجيش مطاردة الفارين من المنطقة، وفي مدينة مهداي بمحافظة شبيلي الوسطى، نفذت القوات المحلية عملية أمنية أدت إلى مقتل سبعة من عناصر الحركة.

هذه العمليات تشير إلى سعي الحكومة الصومالية الجاد للقضاء على الحركة، وينذر بحرص الحكومة على إعادة الثقة في مؤسسات الدولة وكبح نفوذ الحركة في المناطق المتأثرة.

واستنادًا إلى المعطيات المُقدَمة، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار التصعيد العسكري من جانب حركة الشباب ضد الحكومة الصومالية، إذ يتوقع أن تواصل الحركة استهداف المنشآت الحيوية في العاصمة مقديشو، وأماكن أخرى من البلاد، بهدف زيادة الضغط على الحكومة وإظهار قدرتها على تحدي سلطتها. في المقابل، من المؤكد مواصلة الحكومة تكثيف العمليات الأمنية لملاحقة عناصر الحركة في مختلف المناطق، كما حدث في العمليات الأخيرة في إقليم شبيلي الوسطى.

ختامًا، يمكن القول إن الهجوم الذي نفذته حركة الشباب قرب مطار آدم عدي الدولي لا يُعد مجرد تصعيد عابر، بل يمثل ناقوس خطر يُدقُّ بقوة في وجه الدولة الصومالية والمجتمع الدولي، فهو يكشف عن اختراقات أمنية خطيرة، ويعكس استمرار قدرة الجماعة على تهديد المراكز السيادية في قلب العاصمة، رغم كل الجهود المبذولة لاحتوائها، فما حدث لا يجب أن يُطوى في سياق التكرار المألوف، بل ينبغي أن يكون نقطة تحول حاسمة في التعامل مع الخطر المتصاعد من خلال وضع رؤية وطنية واضحة تتكامل فيها الأدوات الأمنية، والسياسية، والمجتمعية.