يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإعلان رسوم جمركية جديدة، مُهددًا بشن حرب تجارية عالمية عبر ما أسماه بـ"يوم التحرير"، أو ما وُصِفَ إعلاميًا بـ"أم المعارك التجارية"، وسط حالة من الترقب الدولي الحذر، من تأثير تلك القرارات على الاقتصاد العالمي.
ويعلن دونالد ترامب أحدث جولة من الرسوم الجمركية في البيت الأبيض، بعد ظهر اليوم الأربعاء، متجاوزًا ما أثارته قراراته السابقة من توترات في أسواق الأسهم العالمية، وقلق كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات والاقتصاديين.
وسببت قرارات ترامب، بالأخص التجارية منها، جدلًا حادًا مع أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين بإعلانه عزمه تنفيذ خطط فرض رسوم جمركية على الواردات الأجنبية، التي بلغت في 2024 نحو 3300 مليار دولار من البضائع.
وتتمثل أهداف ترامب التي يريد تحقيقها من خلال رسومه الجمركية، في إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة، والرد على سياسات التجارة التي يراها غير العادلة من الدول الأخرى، بالإضافة إلى زيادة الإيرادات الضريبية، وتحفيز حملات القمع على الهجرة والاتجار بالمخدرات.
وأدت التهديدات بالرسوم الجمركية التي أعلنها سابقًا إلى توتر علاقات الولايات المتحدة مع أكبر شركائها التجاريين، بعد أن وصفها رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، بأنها "غير مبررة" وتعهد بالرد عليها، وهو موقف مماثل للاتحاد الأوروبي، الذي أعلن بدوره أن لديه خطة قوية للرد.
صفقة مثالية للأمريكيين
ومن جانبها؛ قال كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية لترامب، إن الرئيس الأمريكي أمضى أمس الثلاثاء، في تحسين خطة التجارة، وعمل مع فريقه التجاري على تحسينها؛ للتأكد من أن هذه صفقة مثالية للشعب والعمال الأمريكيين.
ويبتنى الرئيس الـ47 للولايات المتحدة المتحدة الأمريكية، فكرة فرض ما يُسمى بالرسوم الجمركية المتبادلة، إذ تفرض الولايات المتحدة ضرائب على الواردات بنفس المعدلات التي تفرضها الدول على الصادرات الأمريكية، وذكر ترامب دولًا مثل كوريا الجنوبية والبرازيل والهند، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، كأهداف محتملة للرسوم الجمركية المتبادلة.
وقد تؤثر هذه التعريفات الجمركية بشدة على الدول النامية، خاصة الهند والبرازيل وفيتنام ودول أخرى في جنوب شرق آسيا وإفريقيا، وتُعد هذه البلدان من بين الدول التي تشهد أكبر فروق في معدلات التعريفات الجمركية المفروضة على السلع الأمريكية المستوردة مقارنةً بما تفرضه الولايات المتحدة عليها، وفقًا لتحليل حديث أجرته مورجان ستانلي.
ويشير خبراء الاقتصاد في البنك الاستثماري إلى أن البرازيل وإندونيسيا والهند وتايلاند وفيتنام لديها أعلى نسبة من المنتجات التي يتجاوز الفرق في التعريفات الجمركية فيها 5% مقارنة بالمعدل، الذي تفرض به الولايات المتحدة الضرائب على سلع دولها، لكن العديد من البلدان في الاتحاد الأوروبي لديها أيضًا ضريبة القيمة المضافة وضريبة الخدمات الرقمية، ما يجعل أحد أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة هدفًا محتملًا لرسوم جمركية أعلى.
سيناريوهات محتملة
ولم تفصح إدارة ترامب عن طبيعة الرسوم الجمركية المخطط لها، ما دفع تقارير إعلامية للتكهن بطبيعتها، مع وضع سيناريوهات محتملة تتمثل في فرض رسوما جمركية وحيدة بنسبة 20% على مجمل الواردات.
وفي سيناريو آخر أبرزته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، من المتوقع فرض رسوم جمركية مفصلة على حدة لكل من الدول المصدرة، أو فرض رسوم أكثر اعتدالًا على عدد محدود من البلدان.
ووعد الرئيس الأمريكي بأنه سيكون "لطيفًا جدًا" مع شركاء بلاده التجاريين، محافظًا على نهجه المتقلب الذي يصعب التكهن به.
وتأمل بعض الدول الحصول على معاملة أكثر مراعاة، على غرار فيتنام، التي خفضت رسومها الجمركية على مجموعة من السلع في محاولة؛ لاسترضاء واشنطن.
نهب الولايات المتحدة
ولتبرير خطته، قال ترامب لشبكة "NBC"، خلال عطلة نهاية الأسبوع: "نهب العالم الولايات المتحدة على مدار الـ40 عامًا الماضية وأكثر، و كل ما نفعله هو أن نكون منصفين".
ولا يزال فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على جميع الواردات من المكسيك وكندا، وهما من أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين، مطروحًا على الطاولة، إذ يريد ترامب استخدامه لإجبار الدولتين على قمع الهجرة وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، وأوائل مارس، أرجأ تطبيق الرسوم الجمركية للمرة الثانية بعد مفاوضات مع قادة البلدين.
ونشر ترامب مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي: "الثاني من أبريل هو يوم التحرير في أمريكا، ولعقود، تعرضنا للاستغلال والإساءة من جميع دول العالم، الصديقة منها والعدوة، والآن حان الوقت للولايات المتحدة الأمريكية الطيبة لاستعادة بعض من تلك الأموال".
صراع داخل البيت الأبيض
أدت خطط الرسوم الجمركية إلى عمليات بيع في أسواق الأسهم، وهي لا تحظى بشعبية لدى الأمريكيين، وفقًا لاستطلاعات الرأي، وتشير تقارير متعددة إلى أن الصراع الداخلي داخل البيت الأبيض، إذ يدفع وزير التجارة، هوارد لوتنيك، الأكثر تشددًا في فرض الرسوم الجمركية، باتجاه إجراءات شاملة، في الوقت نفسه يُبدي وزير الخزانة، سكوت بيسنت، ومستشار التجارة، بيتر نافارو، نفورًا أكبر من فرض رسوم جمركية كبيرة.
وأفادت التقارير أيضًا بأن مستشاري ترامب يقترحون عليه فرض رسوم جمركية شاملة بنسبة 20% على جميع الواردات، وهو ما يقترب من ما وعد به ترامب خلال حملته الانتخابية.
وفرض ترامب بالفعل رسومًا جمركية إضافية بنسبة 20% على جميع الواردات الصينية، ورسومًا جمركية بنسبة 25% على جميع واردات الصلب والألومنيوم، كما ستُفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على واردات الطاقة من كندا.
وأعلن ترامب، مارس الماضي، فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على جميع المركبات المستوردة، وفي نهاية المطاف، على قطع غيار السيارات المستوردة، التي سيبدأ سريانها غدًا الخميس.
تراجع الاقتصاد الأمريكي
في يوم الاثنين، بنهاية الربع الأول من عام 2025، شهدت اثنتان من البورصات الرئيسية الثلاث أسوأ ربع سنوي لهما منذ أكثر من عامين، إذ عانت وول ستريت من بسبب حروب ترامب التجارية، وفي مارس، انخفضت ثقة المستهلك إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من 4 سنوات.
وخفّض خبراء الاقتصاد في جولدمان ساكس وجيه بي مورجان وبنوك أخرى، توقعاتهم لنمو الاقتصاد الأمريكي في الأيام الأخيرة، ولاحظوا تزايد احتمالية حدوث ركود.
وبدوره؛ قال نيل كاشكاري، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، إن "هذا التحول الأكثر دراماتيكية في الثقة على الإطلاق، باستثناء فترة تفشي كوفيد، ومن الممكن أن يكون لتأثير هذا التراجع في الثقة تأثير أكبر من تأثير الرسوم الجمركية نفسها".