الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

علي الكسار.. كوميديان استثنائي وصل إلى العالمية

  • مشاركة :
post-title
الفنان الراحل علي الكسار

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

اسمه وملامحه المتفردة وطريقة أدائه التلقائية ولَكْنته المُغايرة، صنعت منه نجمًا كوميديًا استثنائيًا وصل إلى العالمية، وحظى بشهرة طاغية في العديد من الدول مثل فرنسا، وذاع صيته لدرجة فرضت اسمه بين العظماء بالموسوعة البريطانية، فكانت بساطة وصدق أداء الفنان المصري على الكسار واختلافه، وراء احتفاظه بمكانة كبيرة في قلوب جمهوره وتمتعه بشعبية جارفة في حياته، وحتى بعد وفاته في مثل هذا اليوم 15 يناير عام 1957.

عبرت شهادة الكوميديان الفرنسي "دني دينس" بصدق عن موهبة علي الكسار، إذ أبدى إعجابه الشديد بأدائه في تجسيد شخصية "عثمان أفندي" في مسرحية "سرقوا الصندوق يا محمد" المُترجمة والمأخوذة عن نص عالمي حمل اسم "البخيل"، التي جسدها الكسار أفضل من تلك التي شاهدها في فرنسا.

لا يريد علي خليل سالم المعروف بـ"علي الكسار"، أي شيء من مهنة التمثيل التي عشقها، سوى أمنية واحدة ظل حريصًا على تحقيقها طوال فترة عمله، وكشف عنها بعد مرور ما يزيد على 50 عامًا من العمل بالتمثيل، الذي بدأه عام 1908 في لقاء إذاعي سابق له، قائلًا: "كل أملي أن أكون ممثلًا قريبًا من قلب الجمهور والحمد لله استطعت أن أحقق ذلك، فأنا لا أريد شيئًا من الدنيا سوى ذلك".

من قلب الحياة البسيطة بحي السيدة زينب، ولد علي الكسار في 13 يوليو 1887، ليُعبّر بفنه عن آمال الناس وآلامهم ويقدم الطبقة الكادحة وما تعانيه بخفة ظل متناهية، ويشكّل أسلوبًا متفردًا في التعبير عن واقع الحياة ونقل نبض مجتمعه آنذاك، فقدم أشهر أفلامه مثل "سلفني 3 جنيه" و"على أد لحافك"، "علي بابا والأربعين حرامي"، "نور الدين والبحارة الثلاثة" و"أمير الانتقام"، وغيرها الكثير ليتجاوز الـ40 عملًا سينمائيًا، فضلًا عن أعماله المسرحية التي تجاوزت الـ160 رواية مسرحية، وحققت نجاحًا واسعًا، إذ سافر إلى الشام وقدّم مسرحيات هناك، كما شهدت فترة نجاحه المسرحي منافسة شديدة بينه وبين فرقة الفنان الراحل نجيب الريحاني.

كان "دار التمثيل الزينبي" بحي المواردي بالسيدة زينب، لصاحبه فؤاد السويسي، بوابة انطلاق علي الكسار في عالم الفن، ليتنقل بعده من مكان لآخر، ويكوّن فرقته المسرحية ويتصدر أفيشات المسارح وذاع صيته، حتى أسس مسرحًا باسمه قدّم من خلاله أشهر الروايات التي حققت نجاحًا منقطع النظير آنذاك.

لعبت الصدفة دورًا كبيرًا في حياة "الكسار"، إذ ابتدع شخصية "عم عثمان عبد الباسط" التي عرفه الجمهور بها في كثير من أعماله، وبلكنته المأخوذة من أهل النوبة بحكم أصوله النوبية، أعطت لهذا الاسم طابعًا خاصًا، حتى إن وقع الاسم لا يزال حاضرًا على مسامعنا حتى اليوم.

وعن شخصيته الكوميدية التي تميز بها، يقول "الكسار" في لقاء سابق: "قدمت رواية "حسن أبو علي سرق المعزة"، واخترت شخصية عثمان هذا الرجل البربري الظريف الكوميدي، ونالت استحسان الجمهور، ولذلك تمسكت بهذه الشخصية بعد أن شعرت بحب الناس لها وارتبطت بها لنهاية مشواري".

ويتعجب الكثيرون من أن هذا النجم الذي صنع نجومية طاغية كان أُميًا لا يقرأ ولا يكتب ويعتمد على تلقينه السيناريو وحفظ الحوار، وكان يتمتع بالذكاء الشديد، وتقول الفنانة ليلى فوزي، التي شاركته في 3 أفلام عن كواليس عملها معه: "علي الكسار كان خفيف الظل ويُضحكني دون أن يضحك وهو إنسان تلقائي وبسيط، وكان ذكيًا جدًا ويُتابع كل حركة وموقف يحدث حوله، وكان يعتمد على حفظ الحوار، ورغم كبر سنه كان يتحمل ضغط العمل".

رغم ما قدمه الكسار خلال مشواره الفني الحافل، إلا أنه ظل يعمل حبًا في الفن وليس المال، إذ يقول في أحد لقاءاته: "لم أدخر أموالًا من عملي طوال 50 عامًا سوى الستر، وما زلت أقضي أيامي الأخيرة في العمل بالمسرح الشعبي وتقديم حفلات عندما يطلبونني".

وفي مقارنة بسيطة بين المسرح قديمًا في بداياته وفترة الخمسينيات، قال: "عندما بدأت المسرح كان أفضل فنيًا من الفترة التي أعيش فيها، فكانت الروايات مُترجمة ولها بداية ونهاية، وكتّاب النصوص متميزون، بينما الروايات حاليًا في الخمسينيات تهريج وليس فنًا".

تمتع الكسار بشخصية كوميدية وذهن متقد واسع الخيال، ليحكي عن موقف كوميدي حول أن خروفًا كان وراء ذهابه إلى مستشفى المجانين، لكن فاجأ مذيع البرنامج بنهاية غير متوقعة لهذه الواقعة، ليقول الكسار عن ذلك: "اشتريت خروفًا قبل العيد بيومين، والشقة التي كنت أقيم فيها لا يوجد بها مكان مناسب لهذا الخروف، فوضعته في الحمام لتأتي حفيدتي وتفتح الباب ويخرج وراءها، لكنها تغلق عليه باب الشقة، فيجوب فيها فكسر مرآة الدولاب وشرب الجاز في المطبخ، فاكتشفت الواقعة بعد عودتي، وبعد نصيحة أحد الأصدقاء قررت أن أقوم بعمل غسيل معدة له، فذهبت بالخروف إلى الإسعاف وشرحت لهم طلبي، فوجدتهم يأخذونني في سيارة الإسعاف إلى مستشفى المجانين، وبعد نصيحة طبيب عدت للبيت سريعًا، وقررت أن أخذ حقي من هذا الخروف، فارتديت إناءً معدنيًا في رأسي وقررت أن أناطحه، إلى أن استيقظت من النوم حيث كنت أحلم".

أعطى الكسار حياته للفن، وبادله الجمهور حبًا بحب، كما وصل احتفاء الدولة به بوضع صورته على طابع البريد عام 1996، بعد أن ترك تأثيرًا وبصمة لا يضاهيها نجمًا غيره، ليعيش بيننا بأعماله الخالدة التي ما زالت تُدخل السعادة على كل من يُشاهدها.