الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

بين منح وديون الدول النامية.. صراع أمريكي صيني خارج الصندوق

  • مشاركة :
post-title
صراع أمريكي صيني حول المنح والديون للدول النامية

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

شهد المشهد التنموي العالمي تحولات جذرية على مدى العقود الثلاثة الماضية، مع بروز قوى اقتصادية جديدة، وزيادة تعقيد التحديات الإنسانية، وظهور أدوات تمويلية مبتكرة. ورغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تعتمد بشكل أساسي على المنح كأداة رئيسية للمساعدات الخارجية، ما يعكس قوة ناعمة تقليدية لم تتكيف بالكامل مع الواقع الجديد.

وتوسعت الصين في استخدام أدوات تمويل الديون لتعزيز نفوذها في الجنوب العالمي، مستفيدة من مبادرات ضخمة مثل الحزام والطريق، وحسب تقرير تحليلي لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي، فيتطلب هذا الوضع إعادة تقييم شاملة لنهج الولايات المتحدة في تمويل التنمية، لا سيما إذا كانت تسعى لمنافسة الصين بفعالية ودعم الدول النامية بطرق أكثر استدامة واستقلالية.

المشهد التنموي العالمي

أصبحت المنافسة بين القوى الكبرى متعددة الأبعاد لتمشل أفكارًا جدية خارج الصندوق، لتشمل التفوق العسكري، والابتكار التكنولوجي، وتطلعات التنمية في الجنوب العالمي. إذ أدركت الصين هذا الواقع، واستثمرت في بناء البنية التحتية للطاقة والنقل والرقمنة عبر الدول النامية، ما ربط اقتصاداتها بمبادراتها مثل طريق الحرير الرقمي.

وتشير تقارير منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة (يونكتاد) إلى أن 48 دولة نامية تنفق على مدفوعات الفائدة أكثر مما تخصصه للتعليم والصحة، ومع ارتفاع الدين العالمي إلى 315 تريليون دولار في عام 2024، أصبحت أزمة الديون تحديًا حاسمًا يهدد استقرار الاقتصادات النامية.

النهج الصيني مقابل الأمريكي

وفق التقرير، فمن عام 2013 إلى 2021، قدمت الصين 679 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق، مقارنة بـ76 مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة في القطاعات ذاتها، وتعتمد الصين على تمويل الديون بشكل أساسي، ما يجعلها أكبر مقرض رسمي للدول النامية مع تعرض للديون يقدر بـ 1.5 تريليون دولار.

وقدمت الولايات المتحدة 57 مليار دولار من المساعدات غير العسكرية في عام 2023 عبر منح مباشرة، كما تعتمد المنح بشكل أساسي على تقديم إغاثة فورية أو تمويل أنشطة لا تحقق عوائد مالية فورية مثل بناء القدرات وتعزيز الحوكمة.

محدودية نموذج المنح الأمريكية

ويؤدي الإفراط في استخدام المنح إلى تقليل الاعتماد على الاستثمارات الخاصة، ما يحد من قدرة القطاع الخاص على لعب دور في تحقيق التنمية المستدامة، إذ تفشل العديد من المشاريع الممولة بالمنح في الحفاظ على استمراريتها بعد انتهاء الدعم الخارجي، ما يترك فجوات تمويلية طويلة الأجل.

وغالباً ما تُدار المنح من قبل منظمات غير حكومية، ما يؤدي إلى انفصال بين أولويات المانحين واحتياجات المتلقين، كما أن المساعدات القائمة على المنح لا تستطيع تلبية الطلب العالمي على تمويل البنية التحتية، الذي يُقدر بـ15 تريليون دولار.

دروس للمرحلة المقبلة

بينما يجب أن تظل المنح جزءًا مهمًا من أدوات التنمية، تحتاج الولايات المتحدة إلى التركيز على استخدام أدوات أخرى مثل الإقراض الميسر والتمويل المختلط لتحقيق أهداف أكثر استدامة وفعالية.

يجب دمج رأس المال الخاص في تمويل التنمية لدعم المشاريع الكبيرة مثل البنية التحتية والطاقة المتجددة، ما يوفر بدائل مستدامة للمساعدات التقليدية، كما أن بناء القطاعات المالية المحلية وتعزيز الملكية المحلية للمشاريع التنموية سيضمن استمرارية هذه المبادرات ويحقق الأهداف طويلة الأجل.

يتطلب الواقع التنموي الجديد إعادة صياغة النهج الأمريكي للمساعدات الخارجية، بما يواكب التحديات المتزايدة والمنافسة العالمية المتصاعدة. إذا أرادت الولايات المتحدة أن تحافظ على مكانتها كشريك تنموي موثوق، فعليها تبني أدوات تمويل مبتكرة تدعم الاستدامة وتستقطب رأس المال الخاص، مما يتيح لها التفوق على المنافسة الصينية وتقديم نموذج تنموي أكثر مرونة وفعالية لدول الجنوب العالمي.