في ظل موجة من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تضرب القارة الأوروبية، بدأت تظهر أشكال جديدة من الجريمة المنظمة تستهدف قطاعًا غير متوقع.
وفي السياق ذاته؛ كشفت صحيفة الجارديان البريطانية في تحقيق موسع عن ظهور نمط إجرامي متطور يستهدف منتجي الأغذية الفاخرة والحرفية في أوروبا، مستغلًا الثغرات التي خلقتها الأزمات الاقتصادية المتتالية في سلاسل التوريد.
تحول في نمط الجريمة المنظمة
تشهد أوروبا تحولًا كبيرًا في أنماط الجريمة المنظمة مع تعمق الأزمة الاقتصادية التي تضرب القارة العجوز، إذ أدت سلسلة من الصدمات الاقتصادية المتتالية، بدءًا من تداعيات جائحة كورونا التي شلت حركة التجارة العالمية، مرورًا بالاضطرابات التي خلفها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصولًا إلى الآثار العميقة للحرب في أوكرانيا على أسعار الطاقة والغذاء، إلى خلق بيئة مثالية لظهور أشكال جديدة من النشاط الإجرامي المنظم.
وتؤكد الدكتورة كريسيدا سميث، المحاضرة في علم الجريمة الريفية بجامعة هاربر-آدمز، أن العصابات المنظمة باتت تستهدف بشكل ممنهج منتجي الأغذية الفاخرة والأسواق المتخصصة، مستغلة ضعف أنظمة الحماية لديهم وحاجتهم الماسة للحفاظ على استمرارية أعمالهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وفي تطور يعكس مدى تعقيد هذه العمليات الإجرامية، تكشف الصحيفة عن سلسلة من السرقات المنظمة التي هزت القطاع، وفي واحدة من أكبر العمليات التي تم توثيقها، تعرضت شركة "نيلز يارد ديري" البريطانية لعملية احتيال معقدة أدت إلى خسارة 22 طنًا من الجبن الفاخر، تقدر قيمتها بنحو 300 ألف جنيه إسترليني.
واستخدم المحتالون في هذه العملية وثائق مزورة وهويات منتحلة، مدعين تمثيلهم لسلسلة متاجر فرنسية معروفة، في عملية تكشف عن مستوى غير مسبوق من التنظيم والتخطيط.
الأزمة الاقتصادية تغذي نشاط العصابات
يرسم التحقيق صورة مقلقة ليكفية استغلال الصعابات المنظمة للأزمة الاقتصادية التي تعصف بأوروبا، إذ أدى ارتفاع معدلات التضخم وتزايد تكاليف الإنتاج إلى وضع المنتجين الصغار تحت ضغط هائل.
وتشرح البروفيسورة لويز مانينج من جامعة لينكولن، كيف أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة دفعت بعض العاملين في القطاع للتواطؤ مع العصابات المنظمة، مضيفة أن هوامش الحبر المنخفضة في قطاع الأغذية، مقترنة بارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة، خلقت بيئة يصبح فيها النشاط غير القانوني خيارًا مغريًا للبعض.
ويؤكد هذا التحليل تجربة ستيفان هاوزر، تاجر النبيذ السويسري الذي فقد 6.500 زجاجة نبيذ أحمر في عملية احتيال مُعقدة كادت أن تؤدي إلى إفلاس شركته.
ويشير هاوزر إلى أن المحتالين أظهروا معرفة متخصصة بالسوق ومنتجاته، ما يؤكد وجود تواطؤ من داخل القطاع، مضيفًا أن الضغوط الاقتصادية دفعت العديد من الشركات للتخلي عن إجراءات التحقق الصارمة في محاولة لتسريع المعاملات وخفض التكاليف، ما سهل مهمة العصابات المنظمة.
تداعيات اقتصادية وأمنية متشابكة
تتجاوز تأثيرات هذه الظاهرة الخسائر المادية المباشرة لتطال استقرار قطاع الأغذية الفاخرة بأكمله في أوروبا، إذ أدت موجة السرقات المنظمة إلى ارتفاع تكاليف التأمين وتشديد متطلبات الأمان، ما يضيف أعباءً جديدة على كاهل المنتجين الصغار.
ويكشف كريس سوالز، مدير شركة "تشابل آند سوان سموكهاوس" في سوفولك، الذي خسر شحنة من السلمون المدخن بقيمة 37 ألف جنيه إسترليني، عن التأثير العميق لهذه الجرائم على الثقة داخل القطاع.
ويشير إلى أن العديد من الشركات باتت مترددة في قبول طلبيات جديدة من عملاء غير معروفين، ما يؤثر سلبًا على فرص النمو والتوسع.
ويؤكد التقرير الاستراتيجي المشترك لوحدات مكافحة جرائم الأغذية في بريطانيا أن العصابات المنظمة تستغل حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاق عملياتها.
وأدى هذا إلى تعقيد جهود الملاحقة القانونية وزيادة صعوبة استرداد البضائع المسروقة.
ويشير الخبراء إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تنسيقًا أوثق بين الأجهزة الأمنية في الدول الأوروبية، إلى جانب تطوير آليات جديدة لدعم المنتجين الصغار في تعزيز إجراءاتهم الأمنية.