الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل يتراجع دور العولمة؟

  • مشاركة :
post-title
تداعيات العطل التقني العالمي على حركة المطارات

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تسبب العُطل التقني الذي شهدته العديد من دول العالم في 19 يوليو 2024، وأدى إلى انقطاع الإنترنت -والذي تضررت منه المواقع الإلكترونية والمطارات والقطارات وغيرها من الخدمات- في إثارة العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت تلك العملية تعبر عن نقطة مفصلية في مسيرة العولمة التي ترتكز على منظومة القيم الغربية السياسية والاقتصادية والثقافية، وسرعت من وتيرتها الثورة في مجال تكنولوجيا الاتصالات التي أنتجت الشبكات العابرة للحدود والقوميات.

هذه العولمة يراها العديد من الخبراء تشهد تراجعًا في دورها بعملية التشبيك وحرية الانتقال بين المجتمعات، وتعزيز فرص الاعتماد المتبادل والاندماج الدولي نحو حالة من الانكفاء الداخلي بدأت تشهدها العديد من المجتمعات، وذلك من خلال فرض إجراءات حِمائية سواءً كانت مرتبطة بالقيود التجارية أو بسَنّ العديد من القوانين التي تُقيّد الهجرة إلى المجتمعات الأكثر تقدمًا.

يعني هذا الواقع أن حرية انتقال الأفراد والبضائع على قاعدة "دعه يعمل دعه يمر" التي شكلت الإطار الناظم لعملية العولمة أضحت تواجه العديد من التحديات، لا سيما وأنّ ثمة اتجاه يتبلور يرى أن هناك رغبة ما في التخلص من نظام العولمة، الذي استنفد أغراضه في إرساء النظام العالمي أحادي القطبية الذي بدأ في الأفول، وأن إرهاصات نظام دولي جديد بدأت في التشكل بما يجعل العولمة –كآلية- غير قادرة على الحفاظ على مقومات الهيمنة والنفوذ لمنتجيها الرئيسيين، وهي الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

مؤشرات تتصاعد

تتصاعد مؤشرات تراجع دور العولمة، ومنها ما هو داخلي يرتبط بالتفاعل داخل المجتمعات، وما هو خارجي يرتبط بعلاقاتها الخارجية، وهو ما يمكن الإشارة إليه على النحو التالي:

(*) تزايد القيود التجارية: شكّل اتجاه العديد من الدول نحو فرض قيود تجارية على السلع والخدمات المتدفقة بين المجتمعات أحد العوامل التي تؤشر إلى تراجع دور العولمة. وقد كان ذلك هو سلوك الدولة المنتجة للعولمة، إذ انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية سلوكًا يقوِّض من مرتكزاتها الاقتصادية من خلال فرض المزيد من القيود على انتقال الموارد، وتوصلت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى اتفاق مع هولندا واليابان في 27 يناير2023 يهدف إلى تقييد تصدير آلات إنتاج الرقائق المتقدمة إلى الصين.

كما أقرّ الاتحاد الأوروبي في 4 يوليو 2024 حزمة من الرسوم الجمركية المؤقتة بشأن السيارات الكهربائية الصينية، بنسب تتراوح بين 17 و38% بغرض تعزيز الحِمائية لصناعة السيارات المحلية الأوروبية، وكانت المفوضية الأوروبية أعلنت عن تلك الرسوم في يونيو الماضي، لتُقَر وتدخل حيز التنفيذ بشكل مؤقت لحين انتهاء مهلة التفاوض والحوار مع الصين، قبل إقرارها بشكل مستدام لمدة 5 سنوات في نوفمبر 2024.

وتجسيدًا للقيود التجارية، أعلنت وزارة التجارة الصينية نهاية مايو 2024، أنها ستفرض قيودًا على صادرات المعدات والتكنولوجيا المتعلقة بالطيران والفضاء بدءًا من الأول من يوليو 2024، وأن ضوابط التصدير ستطبق على محركات الطائرات ومعدات الفضاء والهياكل ذات الصلة بتصنيع المحركات والبرمجيات والتكنولوجيا، وستشمل أيضًا الأدوات والقوالب والتركيبات ومعدات المعالجة الأخرى المستخدمة لصنع مواد معينة مثل "البلاستيك الفائق" المرتبط بالتيتانيوم والألمونيوم وسبائكهما.

(*) تصاعد قوى اليمين الشعبوي: يمثل صعود قوى اليمين الشعبوي في العديد من الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، تحديًا لركائز العولمة وقيمها التي تدعو للحرية والمساواة والعدالة، إذ تتبنى تلك التيارات مواقف عنصرية إزاء المهاجرين واللاجئين في الدول الأوروبية، منها ما يطالب بعودة هؤلاء المهاجرين إلى بلادهم أو سنّ قوانين لنقلهم إلى دولة ثالثة أو رفض منح الجنسية لأبناء المهاجرين بطرق غير مشروعة إلى تلك الدول.

وتبرر قوى اليمين الشعبوي تلك الرؤية بأن الليبرالية السياسية والعولمة الاقتصادية تُغيّر من التركيبة الديمغرافية والثقافية لهذه المجتمعات من خلال تشجيع الهجرة والقيم الليبرالية المناهضة للجذور الثقافية والعرقية للغرب.

(*) عودة ترامب: تشكل احتمالية عودة دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بعد إخفاق الرئيس الحالي جو بايدن في المناظرة التي أُجريت بينهما وانسحابه على إثرها من السباق الرئاسي، تناغمًا مع تصاعد قوى اليمين الشعبوي في أوروبا لتكتمل بذلك الرؤية المشتركة بينهما في معاداة العولمة. إذ انتقد ترامب القواعد المنظمة للحرية الاقتصادية، ودعا إلى حماية الطبقات العاملة الأكثر فقرًا والتي تضررت بسبب السياسات الديمقراطية الداعمة لعولمة الاقتصاد الأمريكي.

كما أن ترامب تبنى قضية الحروب التجارية مع الصين من خلال التشجيع على اتخاذ إجراءات حِمائية للاقتصاد الأمريكي وفرض عقوبات على الشركات الصينية، ومن ثم فإن عودة ترامب إلى سُدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية لولاية ثانية ستجعل من الصعوبة بمكان تغاضيه عن السياسات التي اتبعها في الولاية الأولى، لا سيما وأن أزمة كورونا وارتفاع الأسعار وزيادة التضخم عوامل أدت إلى اتجاه إدارة بايدن لاتخاذ قرارات مشابهة لتوجهات ترامب الحِمائية، بهدف السيطرة على السوق الأمريكية ومعالجة التضخم الناتج عن أزمة الطاقة.

(*) انهيار منظومة القيم العالمية: يشكل انهيار منظومة الأخلاق القيمية أحد تجليات انهيار العولمة التي طالبت بالحرية والعدالة والمساواة، وربما جسدت الحرب الإسرائيلية على غزة وموقف الدول الداعمة لإسرائيل هذا الانهيار للمنظومة الأخلاقية الغربية التي تعاني من المعايير المزدوجة إزاء القضايا الإنسانية العالمية.

واعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 20 يوليو 2022، خلال مشاركته في منتدى حواري حمل عنوان "أفكار قوية للعصر الجديد" أن النموذج الغربي في إدارة العالم قام على نهب ثروات الشعوب وفشل في تقديم بدائل للنظام العالمي، وأن المواجهة القائمة حاليًا مع الغرب ليست مرتبطة فقط بالوضع حول أوكرانيا، إنما هي صراع بين نموذجين لإدارة العالم، معربًا عن قناعته بأن العالم يقف على أبواب مرحلة جديدة في تاريخه، وأن الدول صاحبة السيادة الحقيقية سوف تبلور ملامحها وتضع معاييرها، ونوعية الحياة وحماية القيم التقليدية والمثل الإنسانية العليا، ونماذج التنمية التي لا يتحول فيها الإنسان إلى وسيلة بل يصبح الهدف الأعلى. وأكد على أن بلاده تلعب دورًا أساسيًا في التغيرات التي يشهدها العالم، وأنه لا رجعة في هذه التغييرات الهائلة، وعلى الصعيدين الوطني والعالمي يتم تطوير أسس ومبادىء نظام عالمي متناغم وأكثر انصافًا وبتوجيه اجتماعي آمن، بديلًا للنظام الحالي أو النظام العالمي أحادي القطب الذي كان قائمًا حتى الآن، والذي بات بطبيعته عائقًا أمام تطور الحضارة.

أسباب متعددة

هناك العديد من الأسباب التي تسهم في تراجع دور العولمة يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(&) أفول الهيمنة الأمريكية: يعتقد عدد من المحللين أن العولمة التي شكلت آلية غربية لتنميط العالم على النموذج الأمريكي ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا -وروجت لها مقولات نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما بانتصار الحضارة الغربية كنموذج سيسود العالم- تواجه معضلة حقيقية في استنفادها للغرض الذي قامت من أجله، وهو تحقيق الهيمنة الأمريكية التي بدأت في الأفول والتراجع بسبب ما يتعلق منها داخليًا بالانقسام المجتمعي الأمريكي الحاد بين السود والبيض، وأزمة الديمقراطية الأمريكية بعد اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، ورفضه الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جاءت بالرئيس الأمريكي جو بايدن، ورفض ترامب أيضًا حضور مراسم تنصيب بايدن.

وعلى المستوى الخارجي، هناك ما يرتبط بتراجع فاعلية السياسة الأمريكية في العديد من مناطق العالم وأقاليمه بعد الانسحابات المتتالية للقوات الأمريكية منها، كما حدث في أفغانستان والعراق، فضلًا عن افتقاد تلك السياسة لتكون النموذج الذي يمكن أن يكون ملهمًا للتجارب الراغبة في التقدم بعد أن نجحت القوى الآسيوية مثل الصين والهند في طرح نموذج تنموي مغاير للمسار الغربي.

(&) الرغبة في التحول إلى نظام متعدد الأقطاب: أعلن الرئيس الروسي بوتين خلال لقاءه بنظيره الصيني شي جين بينج منتصف سبتمبر 2022، على هامش قمة دول منظمة شنجهاي للتعاون في مدينة سمرقند بأوزبكستان، أن التوافق بين موسكو وبكين يلعب دورًا رئيسيًا في ضمان الاستقرار العالمي والإقليمي، معتبرًا أن البلدين يدافعان بشكل مشترك عن تشكيل عالم عادل وديمقراطي ومتعدد الاقطاب على أساس القانون الدولي والدور المركزي للأمم المتحدة، وليس على بعض القواعد التي توصل إليها طرف ما يحاول فرضها على الآخرين دون توضيح ماهيتها. وأشار بوتين إلى أن محاولات إنشاء عالم أحادي القطبية اتخذت مؤخرًا شكلًا قبيحًا وغير مقبول على الإطلاق بالنسبة للغالبية العظمى من الدول على هذا الكوكب، فيما أشار الرئيس الصيني إلى أنهم "على استعداد مع زملائنا الروس لنضرب مثالًا لقوة عالمية مسؤولة قادرة أن تلعب دورًا رائدًا، لإحداث تغيير سريع في العالم من أجل إعادته إلى مسار التنمية المستدامة والإيجابية".

(&) انقسام المعسكر الغربي: يشكل انقسام المعسكر الغربي أحد الأسباب لتراجع دور العولمة، وتجلى ذلك الانقسام في تنامي دعوات أوروبية لتشكيل جيش أوروبي مستقل بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، تكون مهمته حماية الأمن الأوروبي ضد مصادر التهديدات المتنامية. كما يتجلى ذلك الانقسام في المعايير المزدوجة من الأزمات الدولية، مثل الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة، وكذلك تصاعد حظوظ ترامب في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة، بعد تأكيده في فبراير 2024 أنه لن يقدم الحماية لأي دولة أوروبية لا توفي بالتزاماتها تجاه حلف الناتو.

(&) الأزمة الاقتصادية العالمية: تمثل الأزمة الاقتصادية العالمية أحد الأسباب الرئيسية لتراجع دور العولمة التي بشر منظروها برخاء المجتمعات التي ستتحول إلى قرية كونية واحدة بفضل الاعتماد المتبادل ما بين الدول التي ستتمكن من خلق شبكات تعزز من المنافع المتبادلة، غير أن الواقع يشير إلى تراجع لنمط الرفاه وبروز حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه معظم المجتمعات منها النامية والمتقدمة، والتي تأثرت كغيرها بتلك الأزمة منذ جائحة كورونا التي أثرت بشكل مباشر على توقف سلاسل التوريد بين الدول، بما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتزايد معدلات التضخم في العديد من الدول، فضلًا عن تزايد أزمات انعدام الأمن الغذائي.

مجمل القول، إن تزايد مؤشرات تراجع دور العولمة يعكس تراجعًا للهيمنة الغربية التي جعلت منها آلية لتعزيز نفوذها ومكانتها من خلال تنميط العالم بالاسترشاد بالنموذج الغربي في تجارب الدول الراغبة في التنمية والتقدم، وفي ظل تزايد المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والقيمية داخل الدول التي أنتجت العولمة، ووفرت مقومات انتشارها، ومع نجاح تجارب تنموية في آسيا كالهند والصين، والتي بلا شك استفادت من فرص العولمة في حرية الانتقال للأفراد والبضائع تصبح العولمة في مفترق طرق حقيقي بعد أن اتجهت العديد من الدول الغربية نحو الانكفاء على الداخل، وفرض إجراءات لحماية أسواقها، بما يحول دون التدفق الحر الذي يعد جوهر آلية العولمة.