تشهد إسرائيل، غدًا الثلاثاء، انتخابات وصفها كثير من المراقبين والسياسيين بالأكثر مصيريةً في تاريخها منذ عقود، وهي الأولى منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، وفي صلب هذه المعركة الانتخابية يقف رجل واحد، وهو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يخوض أشرس معاركه السياسية بعد نحو 19 عامًا متقطعة في السلطة، في مواجهة كتلة معارضة تجمع شخصيات عسكرية وسياسية بارزة وتراهن على إرادة التغيير.
عودة المغتربين
رصدت صحيفة وول ستريت جورنال ظاهرة غير مسبوقة تتمثل في عودة عشرات الآلاف من الإسرائيليين المقيمين خارج البلاد للإدلاء بأصواتهم، في ظل قانون إسرائيلي يُلزم الناخبين بالحضور الشخصي إلى صناديق الاقتراع، ولا يُعفي منه سوى الدبلوماسيين وبعض العسكريين.
وتُشير بيانات مبادرة "Fly&Vote" الصادرة عن منظمة AID Coalition الأمريكية غير الربحية، إلى أن نحو 67 ألف مغترب إسرائيلي يُتوقع عودتهم، نصفهم قادم من الولايات المتحدة وأكثر من ثلثهم من أوروبا.
وقفت المنظمة وراء تنسيق عشرات الرحلات بمشاركة 20 موظفًا بدوام كامل وأكثر من 50 متطوعًا، قبل أن يلجأ حزب الليكود إلى لجنة الانتخابات للحد من نشاطها، وتنتهي القضية بتسوية أوقفت تنظيم رحلات إضافية.
وتكشف قصص العائدين عن حجم الشعور بثقل اللحظة، إذ وصفت تامي جينيجر التي انتقلت بعائلتها من تل أبيب إلى بانكوك مطلع 2025، فوصفت مشهد مطار بن جوريون بأن "كل الصالات كانت تفيض بالقادمين، وكاد الخارجون أن يختفوا".
كما يعود للتصويت، لأول مرة منذ 1991، نتسر ماوز صاحب الـ65 عامًا، المقيم في أريزونا، الذي قال إنه يريد محاسبة المسؤولين عن إخفاق أكتوبر 2023: "لم يُعاقَب أحد، كأن شيئًا لم يقع".
خريطة الأحزاب
وفقًا لتقرير شبكة أي بي سي نيوز، يتنافس 38 حزبًا على مقاعد الكنيست الـ120، لكن المشهد الفعلي ينحصر في كتلتين رئيسيتين، على يمين الوسط يقف الليكود بزعامة نتنياهو مُحاطًا بحلفائه من الأحزاب القومية المتشددة والحريدية، في مقدمتهم حزبا إيتمار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش، فيما تجمع كتلة التغيير حزب "ياشار" الجديد بزعامة رئيس الأركان السابق جادي آيزنكوت، وتكتل "بياحاد" المشترك بين الرئيسين الوزراء السابقين نفتالي بينيت ويائير لبيد، وحزب "الديموقراط" اليساري الصهيوني وآخرين.
وتُشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن "ياشار" سيكون الحزب الأكبر بين 20 و23 مقعدًا، فيما يحوم الليكود بين 19 و21 مقعدًا، غير أن أيًا من الكتلتين لم يبلغ عتبة الأغلبية المطلوبة وهي 61 مقعدًا، مما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية قد تمتد أسابيع، وسط احتمالات انشقاق وتغيير تحالفات.
معقل الليكود ينبض بالتشقق
في عمق المعقل الانتخابي التاريخي لليكود، رصدت أي بي سي نيوز مشهدًا يعكس حجم التحولات، إذ شهدت مدينة كيريات شمونة عام 2022 في أقصى الشمال، التي طالتها صواريخ حزب الله وفقدت نصف سكانها الذين لم يعودوا بعد، حصول الليكود على نحو 49% من أصواتها.
اليوم، يجلس صاحب مطعم شعبي، هو أمنون أوفيد، ليُقِر بأن نتنياهو "تجاوز تاريخ صلاحيته"، بينما يرى نائب رئيس البلدية السابق شيمون كاماري، الذي ظل في المدينة طوال الحرب، أن الأمر يتجاوز الولاء الحزبي العميق المتوارث: "هذا الولاء يجري في الدم، من الآباء والأجداد، وهؤلاء الناس يصعب تحريكهم"، لكنه مع ذلك أعلن دعمه لآيزنكوت، مضيفًا: "ثقافة الكذب جذّرت نفسها في إسرائيل، ويجب أن نغيرها".
نتنياهو وسلاح الخوف
على الجانب الآخر من المشهد الانتخابي، رصدت صحيفة هآرتس العبرية ما وصفته بحملة تخويف منظمة يشنها نتنياهو في الأيام الأخيرة للحملة، إذ نشر رئيس الوزراء محاكاة بصرية لقنبلة ذرية إيرانية تسقط على تل أبيب مصحوبة بتحذير من أن يد الناخب "يجب أن ترتجف" قبل التصويت لغيره، وإلا كان يحكم على نفسه وعائلته بـ"خطر محرقة ثانية"، فيما أعلنت زوجته سارة نتنياهو في لقاء مع نساء الليكود أنه "بلا بيبي ببساطة لن نعيش".
ووصفت الصحيفة هذا النهج بأنه يُعري المناورة في صورتها الأكثر فجاجة، مستحضرةً صورة "الشريك العنيف الذي يُشدد تهديداته كلما أحس بالهجر".
ويمضي المحللان العسكريان عاموس هرئيل في هآرتس، وناحوم برنياع في يديعوت أحرونوت، إلى أبعد من ذلك، إذ يحذران من سيناريو يُوظِّف فيه نتنياهو تصعيدًا عسكريًا إقليميًا، ربما حربًا مع إيران، لعرقلة انتقال السلطة في حال فوز المعارضة.
ويكتب برنياع أن "الحكومة المنتهية ولايتها ستبذل كل ما في وسعها لتأخير استبدال الحكم، والسيناريو الأكثر إغراءً هو شن جولة جديدة من حرب إقليمية"، مستندًا إلى أن نتنياهو حاول فعلًا الدفع نحو ضربة لإيران قبيل الانتخابات قبل أن تحول دونها عوامل عدة، منها ضبط النفس الإيراني ومعارضة المؤسسة العسكرية وموقف واشنطن.
ويضيف هرئيل أن الجيش الإسرائيلي بذل جهودًا لمنع وقوع هذه الضربة عشية الاقتراع، لكنه يشكك في قدرته على الصمود بالموقف ذاته إذا اندلعت أزمة في خضم مفاوضات تشكيل الحكومة.
غير أن المحللَين لا يُقدمان دليلًا قاطعًا على قرار نهائي بالحرب، بل يحذران من خطر التقاطع بين حسابات البقاء في السلطة وخيارات التصعيد العسكري.