أعاد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا رسم المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية بفوزه بولاية رئاسية رابعة، متغلبًا على السيناتور فلافيو بولسونارو في جولة الإعادة، ليصبح أول مرشح في تاريخ البرازيل الديمقراطي الحديث يخسر الجولة الأولى ثم يحسم الثانية.
حصل لولا، الذي يحتفل بعيد ميلاده الحادي والثمانين الثلاثاء، على 51.76% من الأصوات مقابل 48.24% لمنافسه، وفق ما أعلنته السلطات الانتخابية بعد فرز أكثر من 99% من الأصوات.
من الخسارة إلى الانتصار
كان لولا يتأخر عن بولسونارو بنقطتين في الجولة الأولى مطلع أكتوبر، فيما أشارت استطلاعات رأي، إلى تقدم طفيف لمنافسه بفارق 51% مقابل 49% ضمن هامش الخطأ، غير أن جولة الإعادة جاءت بمفاجأة حتى للمحللين، إذ كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن نحو 14 مليون صوت إضافي كانت متاحة في الجولة الثانية، شملت أصوات الناخبين الجدد وأنصار المرشحين المتسربين والأوراق الباطلة.
التقط لولا ثلاثة أرباع هذه الأصوات، مضيفًا 10.4 مليون صوت جديد إلى رصيده مقابل 3.7 مليون فحسب لبولسونارو، في انقلاب حسابي مذهل.
وأسهمت في ذلك حملة تعبئة محمومة شارك فيها موسيقيون وفنانون ومشاهير استهدفوا المقاطعين في الجولة الأولى، فسجلت نسبة العزوف الإجمالية 19% فقط، وهي من أدنى المستويات في تاريخ البرازيل الانتخابي، وفق ما أوردت وول ستريت جورنال.
وتجلى الاحتفال في شوارع ساو باولو حيث اكتظت المدينة بالمحتفلين في أجواء وصفتها نيويورك تايمز بأنها تجمع بين الكرنفال والمهرجان الموسيقي.
شرارة أزمة الشرعية
لم تمر ليلة الانتخابات دون توتر حاد، إذ أصدر القاضي كريستيانو زانين في المحكمة العليا، الذي تولى سابقًا الدفاع القانوني الشخصي عن لولا في قضية "غسيل السيارات" الشهيرة، قرارًا بتمديد ساعات التصويت بمقدار ساعتين على مستوى البلاد، بعد دقيقة واحدة من انتهاء الوقت الرسمي المقرر، وذلك إثر تقارير عن تقليص عدد الحافلات في مناطق الشمال الشرقي ومدينة ساو باولو، وهي معاقل لولا الانتخابية حيث حصد 63% من أصوات الشمال الشرقي في الجولة الأولى.
وكان حزب العمال قد طالب بالتمديد أولًا، فيما تقدم فريق بولسونارو بطلب مماثل لاحقًا بحجة الفيضانات في بعض المناطق، وهو ما لفت انتباه المراقبين إلى أن كلا الجانبين طالبا بالتمديد في نهاية المطاف، وفق ما أوردت واشنطن بوست، غير أن فلافيو بولسونارو رفض الاعتراف بنتائج الانتخابات، واصفًا القرار بأنه "انقلاب قضائي" و"خدعة قذرة"، مُعلنًا السعي لإلغائها، فيما أكد رئيس المحكمة الانتخابية، المُعيَن من قِبَل جائير بولسونارو أصلًا، أن التمديد لم يؤثر في النتيجة النهائية.
وأشارت أستاذة القانون راكيل ماشادو من جامعة سيارا لصحيفة نيويورك تايمز، إلى أنه لم يُسجَل تدفق ملحوظ للناخبين بعد الساعة الخامسة مساءً.
صراع الديمقراطية
بالنسبة لملايين البرازيليين، لم يكن التصويت لصالح لولا مجرد خيار سياسي بقدر ما كان رسالة واضحة لإبقاء عائلة بولسونارو بعيدة عن السلطة، إذ إن والد المرشح، الرئيس الأسبق جائير بولسونارو، يقبع حاليًا رهن الاعتقال بتهمة قيادة مخطط انقلابي لمنع لولا من تسلم منصبه عقب هزيمته عام 2022 بهامش 50.9% مقابل 49.1%، وهو أضيق فارق في تاريخ البرازيل الديمقراطي، ثم أغرى أنصاره باقتحام مباني الحكومة في يناير 2023 في مشهد استحضر أحداث السادس من يناير الأمريكية، وفق ما وثقت واشنطن بوست.
وكان فلافيو قد بنى حملته على وعود بالإفراج عن والده وعفو عام عن المشاركين في الانقلاب، إضافة إلى عزل قضاة المحكمة العليا الذين أشرفوا على محاكمته.
واستنفر هذا المشهد شرائح واسعة من الناخبين، فقالت المحامية كارينا دا سيلفا بيريرا من ساو باولو لوول ستريت جورنال وهي تشق طريقها وسط أمطار غزيرة للإدلاء بصوتها: "كان خطرًا لا يمكن تحمله".
لولا في مواجهة ترامب وبرلمان معادٍ
على الصعيد الخارجي، يمثل فوز لولا انتكاسة مباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سعى إلى بناء حلف محافظ موالِ لواشنطن في أمريكا اللاتينية، وقاطع البرازيل بفرض رسوم جمركية وعقوبات على مسؤولين برازيليين، كما وصف تقدم بولسونارو في الجولة الأولى بأنه "انتصار كبير جدًا"، دون أن يُعلن دعمه الصريح له، وفق بوليتيكو.
وفي خطاب النصر، أعلن لولا أن بلاده "لن تكون فناءً خلفيًا لأحد"، مؤكدًا أن البرازيل ستدافع عن سيادتها ومواردها من المعادن النادرة والنفط والأمازون، غير أن المعركة الداخلية لن تكون أيسر، فحزب بولسونارو الليبرالي حصد أكبر كتلة في مجلسَي البرلمان بـ 121 مقعدًا في مجلس النواب و28 مقعدًا في مجلس الشيوخ، مما يُكبّل قدرة لولا على تمرير أجندته التشريعية ويجعله رهين تحالفات هشة مع المحافظين والوسطيين، وفق ما رصدته وول ستريت جورنال.
وفي مؤشر على حدة التوتر المرتقب، وصف نائب من حزب العمال البرلمانَ صراحةً بأنه "عدو الشعب"، بحسب بوليتيكو.
مسيرة استثنائية
تختزل مسيرة لولا قصة استثنائية لا تُروى إلا في السينما، إذ وُلد عام 1945 لعامليْن أمييْن في أفقر مناطق البرازيل، فقد إصبعه في مصنع للمعادن، وصعد في صفوف الحركة النقابية، وأسس حزب العمال عام 1980 ليصل إلى الرئاسة عام 2003.
وفي ولايتيه الأوليين، وظف طفرة السلع الدولية لتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية ورفع الملايين من براثن الفقر، ثم جاءت المحنة، إذ أُودِعَ السجن عام 2018 في قضية فساد، قبل أن تلغي المحكمة العليا إدانته لاحقًا؛ لثبوت تحيز القاضي المشرف على القضية.
والآن، بهذا الفوز التاريخي، يسير لولا نحو إتمام 16 عامًا غير متتالية في السلطة، ليُضاهي تجربة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.