تقف البرازيل على بُعد أيام قليلة من تحديد مصيرها، إما بالانضمام إلى موجة التوجه اليميني التي اجتاحت أمريكا اللاتينية بعد صعوده في كولومبيا والأرجنتين وغيرها من دول القارة، بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يرغب في التحالف مع دول القارة وعقد اتفاقيات تجارية وإستراتيجية تخدم مصالح الولايات المتحدة في هذه القارة المجاورة لبلاده، وإما بالاستمرار في ظل التيار اليساري الموجود بالفعل في البلاد، بقيادة الرئيس لولا دا سيلفا، الذي عُرف بمواقفه المخالفة لرغبات ترامب ومصالح الولايات المتحدة، وبتمسكه بالتوجه اليساري في البلاد.
مَن هم المرشحون لرئاسة البرازيل؟
يستعد الشعب البرازيلي، خلال الأيام الحالية، لاختيار رئيس جديد للبلاد، في منافسة بين لولا دا سيلفا، الرئيس اليساري الذي يسعى إلى الفوز بفترة رئاسية جديدة، بعدما تولى حكم البلاد خلال ثلاث فترات رئاسية متقطعة بدأت أعوام 2003 و2011 و2023، وبين فلافيو بولسونارو، المرشح اليميني ونجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يخضع حاليًا لحكم بالسجن لمدة 23 عامًا، على خلفية محاولته قلب نظام الحكم من خلال انقلاب عام 2022، بعدما خسر الانتخابات أمام دا سيلفا ورفض مغادرة السلطة، وحاول السيطرة على البلاد عبر انقلاب.
ميتا تتدخل في الانتخابات
شهدت البرازيل أزمة واسعة النطاق على خلفية اتهام شركة ميتا ومنصات التواصل الاجتماعي التابعة لها بالتحيز لفلافيو بولسونارو، والدفع بمحتواه عبر مختلف المنصات وإيصاله إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور البرازيلي، في مقابل الحد من انتشار المحتوى المتعلق بلولا دا سيلفا وحرمانه من الوصول إلى أعداد كبيرة من المواطنين.
وأثار الأمر غضبًا واسعًا بين المواطنين البرازيليين، الذين خرجوا بالآلاف في مظاهرات كبرى احتجاجًا على تدخل ميتا في الانتخابات ومحاولتها التأثير فيها بما يخدم فوز مرشح اليمين المدعوم من ترامب. وعلى خلفية ذلك، استجوبت المحكمة الانتخابية العليا شركة ميتا بشأن هذه الاتهامات.
لكن الأزمة تكمن في أن المسؤول عن المحكمة الانتخابية العليا، العام الجاري، هو قاضي المحكمة العليا الذي عيّنه جايير بولسونارو، كاسيو نونيز ماركيز، الذي أثارت العديد من قراراته جدلًا في المجتمع البرازيلي، واعتبرها منتقدوه مؤيدة لفلافيو بولسونارو.
وفاز فلافيو بولسونارو بالجولة الأولى من الانتخابات بالفعل، وخرج مباشرة بعدها متحدثًا عن تغيير الدستور، وإخراج والده من السجن، والعفو عن جميع من شاركوا في محاولة الانقلاب، وهي خطوات تُثار بشأنها تساؤلات قانونية ودستورية في البرازيل.
دعم أمريكي مباشر لبولسونارو
كشفت وكالة رويترز أن مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية قادا حملة لإعادة أسرة بولسونارو اليمينية إلى السلطة في البرازيل، ونجحا في الضغط من أجل فرض عقوبات تهدف إلى ترجيح كفة الانتخابات لصالحها، وفقًا لما ذكره عشرة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين لديهم معرفة مباشرة بالأمر، تحدثوا إلى الوكالة البريطانية.
ويدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صعود التيار اليميني في أمريكا اللاتينية، باعتباره التيار الأقرب إلى سياساته المختلفة، فضلًا عن سعيه إلى تعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة.
ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، أعلن ترامب سابقًا، وبصراحة، دعمه لجايير بولسونارو، باعتباره حليفًا سياسيًا وشخصيًا له. كما انتقد ترامب مرارًا محاكمته أمام القضاء البرازيلي، واصفًا ما يحدث بأنه انهيار متعمد لسيادة القانون، ومتهمًا الحكومة بالترهيب ذي الدوافع السياسية وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
وفي إطار مواصلة ضغوطه على الرئيس اليساري لولا دا سيلفا، فرض ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على المنتجات البرازيلية، في خطوة أسهمت في تدهور العلاقات بين البلدين إلى أحد أدنى مستوياتها منذ عقود.
لولا دا سيلفا.. أبرز المعارضين لترامب
"هذا الرئيس لن يتلقى أوامر من دولة أجنبية، وما يفعله ترامب هو ابتزاز"، كانت تلك بعض كلمات الرئيس البرازيلي اليساري لولا دا سيلفا في معرض انتقاده لترامب.
فلطالما كان الرئيس البرازيلي اليساري معارضًا واضحًا لترامب وتدخلاته في السياسات البرازيلية.
وحذّر لولا دا سيلفا واشنطن من المساس بسيادة البرازيل، واتهم خصمه بولسونارو بالتآمر مع إدارة ترامب.
وصرّح الرئيس لولا دا سيلفا، في مقابلة مع شبكة التلفزيون الأمريكية "PBS"، بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختار إقامة علاقة مع الرئيس السابق جايير بولسونارو، وليس مع الشعب البرازيلي، ولهذا السبب لم تُجرَ أي محادثات بين رئيسَي البلدين.
كما أكد أنه لن يتلقى أوامر من أجنبي بشأن الرسوم الجمركية، في إشارة إلى الولايات المتحدة والرئيس ترامب، ووصف لاحقًا تهديدات الولايات المتحدة المتعلقة بالرسوم الجمركية بأنها "ابتزاز غير مقبول"، قائلًا: "كنا نتوقع ردًا، لكن ما تلقيناه كان ابتزازًا غير مقبول، في شكل تهديدات للمؤسسات البرازيلية ومعلومات كاذبة حول التجارة بين البرازيل والولايات المتحدة".
دا سيلفا والقضية الفلسطينية
عُرف لولا دا سيلفا بدعمه للقضية الفلسطينية، إذ اعترفت البرازيل رسميًا بدولة فلسطين في عهده، فضلًا عن اغتنامه فرصًا عديدة للحديث عن المعاناة اليومية التي يعيشها أهالي غزة، وعن الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في القطاع، مستخدمًا مصطلح "الإبادة الجماعية" في وصف ما يتعرض له الفلسطينيون.
كما أدان الحكومة الإسرائيلية، متهمًا إياها بارتكاب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني خلال الحرب الدائرة في قطاع غزة، وكرر معارضته للحروب، سواء في الشرق الأوسط أو أوكرانيا، وفقًا لوكالة رويترز.
وانتقد لولا دا سيلفا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضًا، وفقًا لشبكة "CNN"، على خلفية تصريحاته بشأن ضرورة استعادة الفلسطينيين لقطاع غزة، في سياق اعتراضه على مواقف ترامب وسياساته المتعلقة بمستقبل القطاع.