يتجه عدد متزايد من الناخبين الأمريكيين، خصوصًا الديمقراطيين، إلى التصويت المباشر أو إيداع أوراق الاقتراع في صناديق مخصصة وآمنة، بدلًا من إرسالها عبر البريد، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر المقبل، وسط مخاوف أثارتها هجمات الرئيس دونالد ترامب المتكررة على التصويت البريدي ومحاولاته تغيير قواعده.
وأظهرت بيانات التصويت المبكر ومقابلات مع مسؤولين وناخبين ومحللين أن الجدل بشأن موثوقية البريد الأمريكي وتأخر وصول بطاقات الاقتراع دفع بعض الناخبين إلى تغيير طرق التصويت التي اعتادوا استخدامها، رغم أن المحكمة العليا الأمريكية أوقفت الشهر الماضي خطة لإدارة ترامب كانت ستفرض قيودًا إضافية على التصويت البريدي، بحسب تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
تحول انتخابي
كشفت بيانات أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا مايكل ماكدونالد، أن طلبات التصويت البريدي تراجعت مقارنة بانتخابات التجديد النصفي السابقة في ست ولايات من أصل ثماني ولايات شملها التحليل، بينما انخفضت الطلبات في ولاية جورجيا بنسبة 40%، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في الإقبال على التصويت المبكر المباشر.
وسجلت ولاية ويسكونسن تحولًا مشابهًا، بعدما أدلى أكثر من 55 ألف ناخب بأصواتهم حضورًا في مراكز الاقتراع خلال اليوم الأول من إتاحة التصويت المبكر، بزيادة بلغت 65% مقارنة باليوم الأول من التصويت المبكر في انتخابات 2022، وفق البيانات الرسمية للولاية.
وفي الوقت نفسه، تجاوز عدد الأمريكيين الذين أدلوا بأصواتهم مبكرًا 15 مليون ناخب على مستوى البلاد، بينهم أكثر من 5.6 مليون صوت في مراكز التصويت المبكر، ونحو 9.7 مليون عبر البريد، بما يشمل البطاقات المودعة في الصناديق المخصصة لذلك، وفق إحصاءات ماكدونالد.
معركة البريد
بدأت الأزمة الحالية في مارس الماضي، عندما وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا سعى إلى قصر التصويت البريدي على الأشخاص المدرجين في قوائم حكومية للمواطنين الأمريكيين، مبررًا الخطوة بالحاجة إلى منع غير المواطنين من المشاركة في الانتخابات، وهو ما أثار مخاوف بشأن تأثير الإجراءات الجديدة على الناخبين المؤهلين.
ودفع الأمر التنفيذي هيئة البريد الأمريكية إلى إعداد قواعد كانت ستلزم الولايات بتقديم قوائم بأسماء الناخبين المؤهلين للتصويت عبر البريد، وتضمنت الخطة احتمال احتجاز آلاف البطاقات المستحقة إذا وُجدت بطاقة واحدة غير مدرجة ضمن القوائم في الشحنة نفسها، وفق إفادة أحد المبلغين إلى الكونجرس، قبل أن توقف المحكمة العليا تنفيذ الخطة الشهر الماضي.
وأثارت الأسابيع التي شهدت جدلًا قانونيًا وإعلاميًا بشأن مستقبل التصويت البريدي شكوكًا لدى بعض الناخبين حول وصول أصواتهم واحتسابها في الوقت المناسب، رغم تأكيد مسؤولين وخبراء أن النظام يعمل بصورة طبيعية، بينما حذرت صوفيا لين لاكين، مديرة مشروع حقوق التصويت في الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، من أن الجدل ترك أثرًا مستمرًا على ثقة الناخبين في آلية التصويت.
تفاوت حزبي
أظهرت البيانات أن الديمقراطيين كانوا أكثر ميلًا إلى التحول من التصويت البريدي إلى التصويت المباشر مقارنة بالجمهوريين، إذ وجد تحليل أجراه زاكاري دونيني، مسؤول علوم البيانات في مؤسسة "فوت هاب"، أن 18% من الديمقراطيين الذين صوتوا مبكرًا حضورًا في ولاية نيفادا خلال الشهر الجاري كانوا قد استخدموا البريد في انتخابات 2024، مقابل 10% من الجمهوريين.
وفي ولاية كارولاينا الشمالية، أظهرت بيانات أستاذ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تشارلز ستيوارت الثالث، أن أكثر قليلًا من نصف الديمقراطيين الذين أدلوا بأصواتهم عبر البريد في انتخابات 2022 انتقلوا إلى التصويت المبكر المباشر هذا العام، في حين حافظ 61% من الجمهوريين الذين صوتوا بالبريد سابقًا على استخدام الطريقة نفسها.
وأشار محللون إلى أن التحول الملحوظ يرتبط جزئيًا بالمخاوف التي أثارتها تصريحات ترامب بشأن هيئة البريد الأمريكية، إذ بات بعض الناخبين يفضلون تسليم بطاقاتهم بأنفسهم بدلًا من الاعتماد على وصولها عبر البريد، رغم أن الاتجاه إلى التصويت المبكر ارتفع عمومًا، ولم تظهر أدلة على أن الجدل أدى إلى تراجع إجمالي الإقبال الانتخابي حتى الآن.
بدائل آمنة
دفع الجدل مسؤولين ديمقراطيين وجهات معنية بحقوق التصويت إلى تشجيع الناخبين على استخدام صناديق الإيداع الآمنة أو التصويت حضورًا في مراكز الاقتراع المبكر، بدلًا من إرسال البطاقات عبر البريد، مع الدعوة إلى إعادتها في أقرب وقت ممكن لمن يختارون هذه الطريقة.
وحذرت مسؤولة في ولاية ميتشيجان الناخبين من إرسال بطاقاتهم عبر البريد، ودعتهم إلى استخدام البدائل المتاحة، بينما قالت النائبة الديمقراطية في مجلس نواب ولاية أوهايو، كارين براونلي، إن عددًا من الناخبين الديمقراطيين يفضلون الآن إيداع بطاقاتهم في صناديق آمنة لتجنب المخاوف المتعلقة بالتسليم.
وعبّر ناخبون عن قلقهم من احتمال حدوث تأخير أو مشكلات في التعامل مع بطاقاتهم بعد محاولات تغيير قواعد التصويت، إذ قالت سوزان شوجر، البالغة 83 عامًا، إنها أودعت بطاقتها في صندوق مخصص خشية حدوث تلاعب، فيما قررت فيفيان ماكيني، المقيمة في مدينة سياتل، استخدام الصندوق بدلًا من البريد رغم اعتيادها إرسال بطاقتها بهذه الطريقة في الانتخابات السابقة.
وأظهرت التحولات أن الهجمات السياسية على التصويت البريدي لم تؤدِ حتى الآن إلى انحسار التصويت المبكر، لكنها غيرت سلوك بعض الناخبين، خصوصًا الديمقراطيين، قبل استحقاق انتخابي قد يحدد السيطرة على الكونجرس، بينما ستظل الصورة النهائية لاتجاهات التصويت غير مكتملة إلى حين انتهاء الانتخابات ونشر الولايات بيانات أكثر تفصيلًا عن أنماط المشاركة.