كشفت بيانات تتبع السفن عن تحركات متكررة لسفن صيد روسية فوق كابلات اتصالات بحرية حيوية تربط بريطانيا بأوروبا والولايات المتحدة، وسط تحذيرات من احتمال استخدامها في عمليات تجسس تمهد لاستهداف البنية التحتية البحرية خلال أي صراع مستقبلي.
تحركات مشبوهة
ووفقًا لتحليل صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، سُجلت أكثر من 500 حادثة لسفن صيد روسية توقفت أو تحركت ببطء فوق كابلات بحرية أو تتبعت مساراتها لمسافات طويلة. وتقول الصحيفة إن هذه التحركات تشير إلى عمليات لرسم خرائط دقيقة للكابلات، فيما يتابع حلف شمال الأطلسي السفن المدنية الروسية في المياه المحيطة ببريطانيا.
وأكد وزراء بريطانيون أن موسكو تستخدم "وكلاء تجاريين" لتهديد البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر، وتعتزم الحكومة، اليوم الخميس، عرض خطط لتشديد العقوبات على تخريب الكابلات، تشمل السجن لفترات أطول وغرامات غير محدودة، ضمن حملة لتعزيز الأمن البحري.
ويشير التحليل إلى أن استهداف الكابلات قد يعطل قطاعات أساسية في بريطانيا، من بينها البنوك والمستشفيات وشبكات النقل والهواتف المحمولة، إذ تحمل هذه الكابلات بيانات تدعم مليارات الجنيهات من النشاط الاقتصادي يوميًا، بينما يتطلب استهدافها معرفة دقيقة بمواقعها في قاع البحر.
حللت الصحيفة آلاف الساعات من بيانات تحركات أسطول الصيد الروسي، وقارنتها بخرائط الكابلات البحرية. واستندت إلى بيانات تتبع امتدت لأربع سنوات ونصف السنة من منصة "جلوبال فيشينج ووتش"، التي تستخدم الأقمار الصناعية لرصد السفن، وحددت 17 سفينة قضت فترات طويلة بسرعة منخفضة قرب مواقع كابلات محددة.
وقال مصدر في حلف شمال الأطلسي لصحيفة "ذا تليجراف": "نحن على دراية تامة بما تفعله سفن الصيد المدنية الروسية، وبعض هذه السفن لم ترَ سمكة واحدة على سطحها قط".
تتبع الكابلات
أظهر التحليل أن إحدى السفن، التي أُشير إليها باسم "السفينة أ"، درست على ما يبدو تسعة كابلات منفصلة خلال أربع سنوات، تربط أوروبا الغربية، بما فيها بريطانيا، بالولايات المتحدة. وسجلت التحركات نشاطًا مكثفًا شمال أسكتلندا، حيث أمضت سفن صيد روسية 337 ساعة فوق كابل "عبور المحيط الأطلسي 1".
ومن إجمالي هذه المدة، سُجلت 322 ساعة خلال أبريل 2023 وحده. وأظهرت البيانات أن السفينة أ اقتربت من الشمال، قرب جزر فارو، ثم غيرت مسارها فجأة عند وصولها إلى خط عرض الكابل الذي يربط الولايات المتحدة ببريطانيا وألمانيا وهولندا.
وبعد اتجاهها شرقًا، عادت السفينة أدراجها عشر مرات على امتداد 25 كيلومترًا من الكابل، وأمضت قرابة ثماني ساعات في المنطقة خلال يوم واحد، بينها أقل بقليل من نصف ساعة بسرعة تقل عن عقدتين، قبل أن تغادر شمالًا في اليوم التالي.
تهديد اقتصادي
تتزايد التحذيرات من استعداد روسيا لاستهداف البنية التحتية التي تعتمد عليها بريطانيا، ويبلغ حجم النشاط الاقتصادي البريطاني المرتبط بكابلات الاتصالات البحرية التي تنقل البيانات بين بريطانيا والولايات المتحدة نحو 65 مليار جنيه إسترليني.
وفي الشهر الماضي، تبين أن بريطانيا رصدت غواصات روسية تختبر سلاحًا سريًا جديدًا مصممًا لتعطيل الكابلات الحيوية في مياه القطب الشمالي قبالة أرخبيل سفالبارد النرويجي.
وفي وقت سابق من هذا العام، رصدت البحرية البريطانية تحركًا روسيًا استهدف كابلات بحرية في المياه البريطانية، وعملت على وقفه. وتعقبت سفن بريطانية ونرويجية غواصتين تابعتين للمديرية الروسية الرئيسية للأبحاث البحرية العميقة، وغواصة هجومية من طراز "أكولا"، خلال عملية مراقبة استمرت شهرًا.
وفي رسالة إلى الكرملين، قال جون هيلي، وزير الدفاع آنذاك: "نحن نراكم"، وحذر الجنرال السير جوين جينكينز، قائد البحرية الملكية، من أن روسيا قد تهاجم كابلات الاتصالات البحرية البريطانية منذ "اليوم الأول" من أي صراع مع حلف شمال الأطلسي.
دفاعات محدودة
دعا قائد البحرية الملكية إلى تعزيز الجاهزية القتالية، وسط مخاوف داخل القوات المسلحة من أن بريطانيا لا تمتلك عددًا كافيًا من السفن للدفاع عن نفسها. وفي العام الماضي، وصف نواب من أحزاب مختلفة الجهود البريطانية لتعزيز حماية هذه الشرايين الاقتصادية الحيوية بأنها "خجولة للغاية".
وتوجد عشرات كابلات الاتصالات تحت شمال المحيط الأطلسي، لكن كابلين فقط يمثلان نحو ثلاثة أرباع سعة البيانات بين بريطانيا والولايات المتحدة. ويمتد معظم الكابلات لمسافة تقارب 3 آلاف ميل عبر شمال الأطلسي، ويقع جزء كبير منها خارج المياه الخاضعة للسيطرة البريطانية.
ومن بين هذه الكابلات نظام "عبور المحيط الأطلسي 1"، الذي يمتد بين الولايات المتحدة وألمانيا، ويمر الجزء الشمالي منه عبر مياه تسيطر عليها بريطانيا. كما رصدت صحيفة "ذا تليجراف" نشاطًا مشبوهًا محتملًا حول كابل "شيفا-2"، الذي يربط جزر شتلاند بجزر فارو.
عقوبات مشددة
تعتزم الحكومة البريطانية، يوم الخميس، الإعلان عن تحديثات مقترحة للتشريعات القديمة المستخدمة لمعاقبة الإضرار بالكابلات البحرية. وتصل العقوبة الحالية على التخريب المتعمد إلى السجن خمس سنوات، إضافة إلى الغرامات.
وتقترح الحكومة، في ورقة بيضاء، استحداث جريمة جديدة وتشديد عقوبات السجن على التخريب المتعمد للبنية التحتية تحت سطح البحر، لتصل العقوبة إلى 14 عامًا. كما ستتشاور بشأن ما إذا كان ينبغي أن تبلغ العقوبة القصوى السجن مدى الحياة.
فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على شركتي الصيد الروسيتين "نوريبو" و"مورمان سي فود"، العاملتين في مناطق أخرى من أوروبا، بتهم تتعلق بالتجسس والمراقبة. ويقول الاتحاد إن بعض سفن "نوريبو" تحمل تقنيات يمكن استخدامها لأغراض تجسسية، بينما ذكرت وسائل إعلام إسكندنافية أن إحدى سفن الشركة رصدت غواصة نووية أمريكية قرب النرويج.
ونفت "نوريبو" التجسس أو العمل لمصلحة أجهزة الأمن الروسية، ووصفت الاتهامات بالكاذبة، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي لا يملك أدلة تدعمها، وأنها تطعن في العقوبات. كما نفت شركة "مورمان سي فود" التجسس أو ارتكاب أي مخالفات.
توجيه استخباراتي
يمتلك جهاز الأمن الفيدرالي الروسي صلاحية تجنيد شركات الشحن المدنية لأغراض استخباراتية، وهو نهج مارسه جهاز المخابرات السوفيتية السابق على نطاق واسع خلال الحرب الباردة.
وفي يوليو 2022، وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عقيدة بحرية تأمر السلطات بتحسين "القدرات المعبأة" لسفن الصيد والسفن الخاصة. كما نصت العقيدة على تعويض الشركات عن توريد الممتلكات للقوات المسلحة الروسية والقوات والتشكيلات والهيئات العسكرية عند تنفيذ مهام خاصة في ظروف السلم.
وقالت ماريا فلاديميروفا، الباحثة بجامعة كوبنهاغن والمتخصصة في الاستراتيجية البحرية الروسية: "لدينا بعض المؤشرات في العقيدة الرسمية الروسية على أن سفن الصيد ستكون أكثر اندماجًا في الوضع البحري للدولة".