تشهد الحياة السياسية في المملكة المتحدة حالة من الاضطراب منذ خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي بنتيجة استفتاء 2016، وهو ما قاد إلى خلافات عميقة بين حكومة لندن والأحزاب الحاكمة في أسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، التي صوتت شعوبها لصالح البقاء في الاتحاد. ومثل التطور الأبرز في هذا السياق إعلان قادة الأحزاب الحاكمة في أسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، في 14 سبتمبر 2026، اتفاقًا يقضي بأن مستقبلهم يتمثل في البقاء في الاتحاد الأوروبي، مهددين بالانفصال عن المملكة المتحدة، ومعلنين نواياهم لتنظيم استفتاءات للاستقلال في البلدان الثلاثة.
وفي ضوء السجالات التي صاحبت صعود أندي بيرنام، الملقب بـ"ملك الشمال"، لرئاسة الحكومة وقيادة حزب العمال في يوليو 2026، برزت أزمة الاستقلال في أجندته الحكومية من خلال تبني نهج نقل الصلاحيات إلى الأقاليم لتعزيز النمو وخلق فرص العمل وإعادة أمجاد الشمال الصناعي، مقابل التخلي عن مطالب إجراء الاستفتاءات. وتبدي المعارضة من حزبي المحافظين والإصلاح رفضًا لنهج تفويض الصلاحيات، وتنتقد اهتمامه المفرط بالشمال على حساب العاصمة لندن وجنوب البلاد، وسط تشكيك في الأجندة الاقتصادية لبيرنام، التي تخالف البرنامج الانتخابي الذي صعد العمال به إلى هرم السلطة في انتخابات 2024، والدعوات إلى إجراء انتخابات مبكرة.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي التحولات الجارية في المشهد الحزبي البريطاني وتداعيات ذلك على وحدة المملكة المتحدة.
مؤشرات التحول
تظهر تطورات المشهد السياسي البريطاني إعادة ترتيب واسعة للبيئة الحزبية في المملكة المتحدة عمومًا، ولمكوناتها القومية على وجه الخصوص، إذ شهدت الفترة منذ تنحي كير ستارمر عن قيادة الحكومة وحزب العمال، وصعود أندي بيرنام، تحولًا لافتًا في قاعدة تأييد الحزب، مستعيدًا بعضًا من ثقة ناخبيه. وفي المقابل، شهد حزب الإصلاح اليميني المتطرف تراجعًا طفيفًا على خلفية قضايا الفساد والتمويل خارج الأطر القانونية والدستورية. وصاحب خطاب بيرنام حول تدخل روسيا في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي هبوب رياح التمرد في أيرلندا الشمالية وأسكتلندا وويلز، في ظل تولي أحزاب مؤيدة للانفصال عن المملكة المتحدة السلطة بالتزامن في البلدان الثلاثة لأول مرة، بعد صعود حزب بلايد سيمرو بقيادة رون آب لوروث في انتخابات ويلز البرلمانية في مايو 2026.
(\*) استعادة الثقة: شهدت الفترة من مارس 2025 وحتى يونيو 2026 تراجعًا دراميًا لحزب العمال، بلغ أدناه في الفترة من نوفمبر 2025 وحتى مايو 2026 بنحو 20%، مقابل 27% لحزب الإصلاح، بالتزامن مع فوزه الساحق بالانتخابات المحلية وحصوله على 1500 مقعد، مقابل خسارة العمال 1498 مقعدًا. بينما بلغت نوايا التصويت لحزب المحافظين 18%، مقابل 14% لحزب الخضر و12% لليبراليين الديمقراطيين.
ونجحت قيادة أندي بيرنام لحزب العمال منذ يوليو 2026 في ترميم صورة الحزب بين قواعده الانتخابية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي في 20 أكتوبر 2026 تفوق العمال بسبع نقاط مئوية على أقرب منافسيه، بواقع 29% من نوايا التصويت، حسب مجلة إيكونوميست، مقابل 22% لحزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج، و21% لحزب المحافظين بقيادة كيمي بادينوش، و10% لليبراليين الديمقراطيين، و9% للخضر.
ويعود جانب رئيسي من تقدم حزب العمال إلى خطاب رئيس الوزراء الجديد، ورئيس بلدية مانشستر الكبرى سابقًا، الذي يركز على "النموذج المانشستري" في اللامركزية الإدارية وتفويض بعض الصلاحيات للمستوى المحلي لصالح تعزيز فرص العمل وإحياء مجد الشمال الصناعي، فضلًا عن برنامجه لتعزيز القطاع العام واستحداث خدمة عامة للرعاية الاجتماعية وإزالة الحماية المالية للمعاشات التقاعدية الحكومية، مما عزز اتصاله بقواعده الناخبة، التي تنتمي في أغلبها إلى الطبقة الوسطى وخريجي الجامعات المرموقة وموظفي القطاع العام، بمتوسط راتب سنوي أعلى من باقي الأحزاب يتراوح بين 30 ألفًا و70 ألف جنيه إسترليني، فيما يمثل حزب الإصلاح توجهات الطبقة العاملة الدنيا في بريطانيا، بيد أن أفرادها غير مهتمين بالسياسة والمشاركة في الانتخابات.
(\*) اتفاق الانفصال: دفعت أصداء المطالبات بتنظيم استفتاء جديد في أسكتلندا للخروج من المملكة المتحدة، أندي بيرنام إلى زيارتها ومخاطبة رئيس الحزب الوطني الأسكتلندي والوزير الأول في أسكتلندا، جون سويني، وذكر اسمه خلال مؤتمر الحزب في سبتمبر 2026. وحث بيرنام، في 15 أكتوبر 2026، الوزير الأول الأسكتلندي جون سويني على التعاون وتقديم خطة لتعزيز الوظائف المحلية في إطار برنامج نقل الصلاحيات من المركز إلى الأقاليم، رافضًا المطالبة باستفتاء لاستقلال بلاده عن المملكة. وكان سويني قد وصف أندي بيرنام، عقب الاتفاق الثلاثي في كارديف في 14 سبتمبر 2026، بأنه آخر رئيس وزراء للمملكة المتحدة بصورتها الحالية.
ومثل اتفاق كارديف بين الوزراء الأوائل في أسكتلندا، جون سويني، وويلز، رون آب لوروث، وأيرلندا الشمالية، ميشيل أونيل، إعلانًا لنوايا الانفصال في المستقبل القريب عن المملكة المتحدة، لكن الإعلان ارتبط بالصفة الحزبية فقط، نظرًا لمشاركة ميشيل أونيل، نائبة رئيس حزب شين فين القومي، في رئاسة حكومة تشاركية مع الحزب الوحدوي الديمقراطي المؤيد للبقاء في المملكة المتحدة في أيرلندا الشمالية؛ حيث اتهمت زعيمة الحزب الوحدوي ونائبة الوزير الأول، إيما ليتل بينجلي، أونيل بتسليح المنصب لخدمة تطلعات حزبها الساعي للانفصال.
(\*) ارتباك المعارضة: تواجه المعارضة البريطانية تحديات عاصفة في ظل عملية إعادة ترتيب شاملة للمشهد السياسي. فرغم المناداة بالذهاب إلى انتخابات مبكرة، يبدو حزب المحافظين في مرحلة حرجة من إعادة بناء الثقة، في ظل قيادة شابة مثقلة بإرث الحزب الحاكم السابق، المتمثل في تبعات الخروج من الاتحاد الأوروبي سياسيًا واقتصاديًا وتجاريًا، وعدم الاستقرار الحكومي، وتناوب خمسة رؤساء حكومات من الحزب على رئاسة الوزراء منذ 2016 وحتى الهزيمة المدوية في 2024، إذ بات الحزب يصارع في المرتبة الثالثة خلف حزب الإصلاح، الذي تكتسب أجندته زخمًا في أوساط البريطانيين الرافضين لموجات الهجرة واللجوء.
وفي المقابل، يواجه زعيم المعارضة اليمينية نايجل فاراج تحقيقات برلمانية في تلقي هدايا لم يُعلن عنها بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني من الملياردير المستثمر في العملات المشفرة كريستوفر هاربورن، الذي موّل، مع صديقه بن ديلو، المستثمر كذلك في العملات المشفرة، حزب الإصلاح بقيمة 72 مليون جنيه إسترليني. كما تحقق شرطة العاصمة لندن في فيلم وثائقي بثته القناة الرابعة، يظهر استعداد كبار مسؤولي الحزب لخرق القانون الانتخابي والحصول على تمويل من مانحين أجانب.
وإجمالًا؛ يمكن القول إن رياح المد القومي التي ضربت المملكة المتحدة منذ الخروج من الاتحاد الأوروبي أحدثت هزة عنيفة ليس فقط للمشروع الأوروبي، وإنما للجزر البريطانية نفسها، التي اختارت في أغلبها البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها أسكتلندا بواقع 62%، مقابل 52% في أيرلندا الشمالية. وبرز هذا المد القومي في البلدان الثلاثة المنضوية تحت راية المملكة المتحدة، التي منحتها لندن في تسعينيات القرن الماضي صلاحيات لانتخاب برلمانات محلية وتشكيل حكومات منتخبة.
وتعد أبرز المتغيرات التي أثرت على المشهد السياسي في بريطانيا صعود أحزاب مؤيدة للانفصال عن المملكة المتحدة وحق تقرير المصير أو الوحدة مع دول أخرى في حالة أيرلندا الشمالية، والاندماج في الاتحاد الأوروبي. وقد كانت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى دبلن في 12 سبتمبر 2026، بتأييد وحدة أيرلندا، محفزًا لتوجه قادة أيرلندا الشمالية وويلز واسكتلندا للمطالبة بالانفصال، فضلًا عن صعود أحزاب مؤيدة للانفصال في الأقاليم الثلاثة، مع فوز حزب بلايد سيمرو في انتخابات ويلز في مايو 2026، وبروز تحولات ديمغرافية في تركيبة سكان أيرلندا الشمالية، وتفوق أعداد الكاثوليك لأول مرة على البروتستانت في 2022. وحاصل القول إن النظام الحزبي في المملكة المتحدة لن يعود إلى نظام الحزبين، مما سيقلص من سيطرة الأحزاب التقليدية ويزيد الاستقطابات في قضايا الهجرة والتوظيف والتجارة، وهو ما يعني انتقال السياسة البريطانية من المركز إلى الأقاليم، التي ستضغط بدورها على لندن لتعزيز حكمها الذاتي وتوجيه المزيد من الموارد إليها، وستطرح بجدية خيار الاستقلال على المدى المنظور، مع تأييد الرأي العام في تلك الأقاليم لهذا التوجه.