تواجه الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية حالة من الجمود، في ظل تباعد المواقف بين موسكو وكييف، واستمرار الضغوط الأمريكية للتوصل إلى اتفاق لم تتضح شروطه النهائية بعد، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دفع الطرفين نحو تسوية تنهي الحرب.
وبحسب تحليل نشرته شبكة "سي إن إن"، تبدو جهود السلام وكأنها مساران منفصلان، إذ يسعى الحلفاء الأوروبيون وأوكرانيا إلى تحويل المطالب والتهديدات الأمريكية إلى خطة يمكن أن تحظى بموافقة ترامب، في حين تعمل موسكو على استمالة واشنطن عبر طرح فرص للتعاون الاقتصادي، بالتوازي مع مواصلة تقدم قواتها على جبهات القتال.
وفي السياق، يتحرك المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بين المسارين، دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على تقارب حقيقي بين الرؤيتين الروسية والأوكرانية بشأن شكل السلام وشروطه.
موسكو تتمسك بشروطها
ويتمثل جوهر الخلاف، وفقًا للتحليل، في أن موسكو تنظر إلى السلام باعتباره فرصة لتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، وفي مقدمتها السيطرة على منطقة دونباس شرقي أوكرانيا.
ويطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا بالتخلي عن المناطق المتبقية من دونباس الخاضعة لسيطرتها دون مواصلة القتال، فيما تشمل المطالب الروسية الأوسع تجريد أوكرانيا من قدراتها العسكرية، والتعهد بعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، إلى جانب تغيير القيادة في كييف.
ويرى التحليل أن هذه المطالب تجعل التوصل إلى تسوية شاملة أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل تمسك روسيا بأهدافها، وتصاعد الضغوط على أوكرانيا لتقديم تنازلات إقليمية.
في المقابل، تواجه كييف معضلة تتعلق بكلفة التخلي عن دونباس، رغم تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في أجزاء واسعة منها نتيجة القصف الروسي المستمر.
رفض أوكراني
وتتمسك أوكرانيا بمواقعها المتبقية في منطقة دونيتسك، معتبرة أنها تمثل خطًا دفاعيًا بالغ الأهمية لحماية بقية أراضي البلاد.
وفي هذا الإطار، أشار وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي آنذاك، ماركو روبيو، في مقابلة مع موقع "بريتبارت نيوز"، إلى أن روسيا تسيطر على معظم منطقة دونيتسك، باستثناء نحو 11% منها، موضحًا أن الجزء المتبقي يمثل خط الدفاع الذي تتمركز فيه القوات الأوكرانية.
ونقل التحليل عن "روبيو" قوله إن خبراء عسكريين يعتبرون هذا الخط آخر المواقع الدفاعية القابلة للدفاع عنها، محذرًا من أن التخلي عنه قد يفتح الطريق أمام القوات الروسية للتقدم باتجاه العاصمة كييف.
كما أشار إلى أن التقدم الروسي لا يحقق، بحسب تقييمه، اختراقًا حاسمًا على الأرض، الأمر الذي يدفع موسكو إلى تكثيف الضغط على السكان الأوكرانيين عبر هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية واستهداف البنية التحتية للطاقة والكهرباء. وفي المقابل، تستهدف أوكرانيا مصافي النفط الروسية.
انتقادات لترامب
ويثير النهج الذي تتبعه إدارة ترامب تساؤلات بشأن طبيعة الضغوط التي تمارسها واشنطن على طرفي الحرب، خصوصًا في ظل إجراءات يرى التحليل أنها قد تمنح روسيا مكاسب إضافية دون ضمان تحقيق تقدم ملموس نحو السلام.
ويعدد التحليل مجموعة من الخطوات الأمريكية التي أثرت على الموقف الأوكراني، من بينها التوصل إلى اتفاق لتوريد الديزل يُحتمل أن يوفر عائدات إضافية لروسيا، والإعلان عن هدنة في استهداف منشآت الطاقة قال ترامب إنها لم تكن معروفة بوضوح لدى الطرفين، إلى جانب قيود على تقنيات "ستارلينك" وتراجع تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف خلال فترات من الحرب.
كما يشير إلى توقف الدعم المالي الأمريكي لأوكرانيا لأشهر، ما دفع الدول الأوروبية إلى تحمل الجزء الأكبر من تكاليف المساعدات العسكرية، فضلًا عن دعوات ترامب المتكررة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى مغادرة منصبه.
ويرى التحليل أن هذه الخطوات لم تؤدِّ بالضرورة إلى تقريب موسكو من اتفاق سلام، بل أثارت مخاوف من إضعاف قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها، ومنح روسيا هامشًا أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية.
كييف تعيد حساباتها
وفي تطور يعكس طبيعة العلاقة الحالية بين واشنطن وكييف، أعرب زيلينسكي، خلال مؤتمر صحفي في أوسلو أمس الثلاثاء، عن تقديره لاستئناف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن هذه العملية تعمل حاليًا.
كما أعرب عن أمله في الحصول على مؤشرات إيجابية بشأن منظومات الدفاع الجوي الأمريكية "باتريوت" وتقنيات "ستارلينك"، عقب اجتماعات مع ويتكوف، حضوريًا، وكوشنر، عبر الاتصال المرئي.
ومن المقرر أن يتوجه ويتكوف إلى روسيا لإجراء محادثات مع بوتين، وسط غموض بشأن المقترحات التي سيطرحها على الجانب الروسي.
وفي المقابل، يشير التحليل إلى أن أوكرانيا باتت أكثر استعدادًا لاحتمال تراجع الدعم الأمريكي، بينما تسعى الدول الأوروبية إلى استغلال الوقت المتبقي لتعزيز قدراتها الدفاعية والاستعداد لاحتمال الاضطرار إلى مواصلة دعم كييف بصورة أكبر اعتمادًا على مواردها الخاصة.
ويربط التحليل بين تحركات ترامب وحساباته السياسية الداخلية، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وما قد تسببه سياساته تجاه روسيا وأوكرانيا من ضغوط على الجمهوريين.
كما يطرح تساؤلات بشأن مدى استدامة بعض الإجراءات الأمريكية، مشيرًا إلى أن اتفاق الديزل قد لا يؤدي سريعًا إلى خفض أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وأن القيود الأوروبية قد تحد من العائدات التي يمكن أن تحققها روسيا. كذلك، يرى أن التراجع عن بعض الإجراءات أو تطبيقها بصورة متقطعة قد يضعف مصداقية واشنطن ويزيد من حالة الارتباك لدى القوات الأوكرانية.
ويخلص التحليل إلى أن مستقبل المفاوضات لا يزال غامضًا، في ظل استمرار الفجوة بين أهداف موسكو ومطالب كييف، وعدم وضوح طبيعة الضمانات التي يمكن أن يقدمها أي اتفاق محتمل.