اختار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، تلة "البنيكس" اليونانية العريقة، حيث أرسى أجداد الديمقراطية قواعد الحكم قبل آلاف السنين، مسرحًا لخطاب استثنائي حاول فيه إعادة تأطير سياسة "أمريكا أولًا" للرئيس دونالد ترامب، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للتراث الحضاري الغربي، لا قطيعةً معه.
وبحسب ما رصدته وسائل إعلام أجنبية، تجاوز الحدث طابعه الدبلوماسي ليتحول إلى حالة سياسية فارقة تُلقي بظلالها على المشهد الأمريكي والأوروبي معًا.
استدعاء اليونان القديمة
أمام نحو 250 شخصًا من مسؤولين أجانب وضباط عسكريين ورجال دين أرثوذكس يونانيين، نسج روبيو خطابًا مدروسًا استدعى فيه عبر الزمن شخصيات من سقراط والإسبرطيين وصولًا إلى يوليوس قيصر وشارلمان والفاتح الإسباني إيرنان كورتيز، ساعيًا إلى إضفاء عمق تاريخي وحضاري على السياسة الخارجية لإدارة ترامب التي طالما أثارت قلق الحلفاء الغربيين.
وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن روبيو استحضر هذه الرموز تحديدًا ليُصوِر النهج القومي الصارم لترامب، الذي سبق أن انتقده، جزءًا أصيلًا من تقليد غربي راسخ قائم على الطموح والمنافسة وصون المصالح الوطنية.
وقال روبيو مخاطبًا الحضور: "لدينا الكثير لنتعلمه من رجال اليونان القديمة، فقد عرفوا أنه لا أنانية في الولاء للوطن، ولا عيب في الدفاع عن مصالحه فوق كل اعتبار"، وفق ما نقلته "واشنطن بوست".
تحذير ميونيخ يتحول إلى بشرى يونانية
لم تكن هذه المرة الأولى التي يلقي فيها روبيو كلمة تاريخية أمام الأوروبيين، إذ سبق له قبل ثمانية أشهر أن حذر في مؤتمر ميونيخ للأمن من أن سياسات أوروبا في الهجرة والمناخ والعولمة تسير نحو "الانحدار المُدار" و"المحو الحضاري"، غير أنه عاد هذه المرة بلهجة مغايرة، إذ رأى في زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي المتسارع وتنامي إنتاجها الصناعي "بوادر انبعاث حقيقي"، معربًا عن أمله في أن تكون أوروبا قد "استيقظت من سباتها الطويل وأعادت إيقاد النار التي اشتعلت هنا منذ آلاف السنين".
وأعلن روبيو وفق ما أوردت وول ستريت جورنال: "نعتقد أننا نشهد بداية تحول جيلي".
جرينلاند نموذجًا والمليارات تُعزز التحالف مع أثينا
دافع روبيو عن الأسلوب التصادمي لإدارة ترامب مستشهدًا بالاتفاق الأخير بشأن جرينلاند دليلًا ملموسًا على فاعليته، فرغم الأزمة الدبلوماسية الحادة التي أثارتها مطالب ترامب بالسيطرة على الإقليم الدنماركي شبه المستقل "بأي طريقة كانت"، أسفرت المفاوضات في نهاية المطاف عن اتفاق وسَّع الحضور العسكري الأمريكي هناك.
وقال روبيو: "الأطراف الثلاثة في هذه الصفقة خرجوا منتصرين، نحن نريد أن ننتصر معًا ويجب أن ننتصر معًا".
وفي السياق ذاته، أعلن عن صفقة أسلحة أمريكية لليونان بقيمة 4 مليارات دولار، ومذكرة تعاون لتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية في مجال مكافحة الإرهاب، مُثنيًا على أثينا بوصفها "نموذجًا للحليف الذي تبنى هذه السياسات وانخرط في مسيرة التحول الأوروبي نحو الاعتماد الذاتي".
بين الدبلوماسية وأحلام الزعامة
لم يفُت "واشنطن بوست" رصد الأبعاد السياسية الداخلية للمشهد، إذ لفتت إلى أن روبيو ألقى خطابًا "يليق بسياسي يسعى إلى وراثة الحركة الشعبية من ترامب"، في توقيت يبدأ فيه نائب الرئيس جي دي فانس تحديد ملامح حملته الرئاسية المرتقبة لعام 2028.
وجرى تجهيز المشهد بعناية لافتة، إذ سخَّر الفريق المرافق أربع كاميرات بث احترافية، إحداها مُثبتة على رافعة لالتقاط لقطات سينمائية للوزير على خلفية الأطلال اليونانية، في مؤشر على الاهتمام الاستثنائي بالتأثير البصري للحدث.
وفي السياق ذاته، دعا "روبيو" -وفق واشنطن بوست- إلى تحقيق الهيمنة الأمريكية في مجالات حرب الطائرات المُسيَّرة والمعادن الحيوية والأمن السيبراني و"الذكاء الفائق"، المصطلح الذي روج له ترامب مؤخرًا بديلًا عن الذكاء الاصطناعي.
شكوك أوروبية لم يبددها الخطاب المبهر
غير أن البلاغة التاريخية لم تُفلح في إزاحة المخاوف الجوهرية للأوروبيين، وفق ما أوردت "وول ستريت جورنال"، إذ يظل القادة الأوروبيون قلقين إزاء الحرب التجارية الأمريكية مع الحلفاء، والدعم المتردد لأوكرانيا، وسيناريوهات تقليص الحضور العسكري الأمريكي في القارة.
ويضاف إلى هذه الملفات الشائكة ضغط متصاعد تمارسه الحرب في إيران، التي تضع الحلفاء الأوروبيين وشركاء واشنطن في آسيا في مواجهة خيارين صعبين، وهما إما الانصياع لغضب ترامب من تقاعسهم، وإما الانزلاق في صراع مفتوح بالشرق الأوسط.
وفي تعليقه على ما أثارته السفيرة الأمريكية لدى اليونان كيمبرلي جيلفويل، من جدل بعد تقرير "وول ستريت جورنال" الذي اتهمها بالتهديد بزعزعة استقرار الحكومة اليونانية، اكتفى روبيو بالقول إن سفارته "تؤدي عملًا رائعًا"، رافضًا الخوض في التفاصيل.